تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض..

[الإسراء: 104]. فالأرض هي المكان العام الذي يسكن فيه كل الناس.. فليس لهم بلد تجمعهم، بل بددهم الله في الأرض ولم يجعل لهم وطنا، كما قال في آية أخرى:

وقطعناهم في الأرض أمما..

[الأعراف: 168]. حتى في البلاد التي يعيشون فيها تراهم معزولين عن الناس في أماكن خاصة بهم لا يذوبون في غيرهم، وهكذا سكنوا الأرض ولم تحدد لهم بلد. أما النوع الثاني من السكن، وهو السكن المعنوي أو سكن القلب، فهو سكن الزوج إلى زوجته الصالحة التي تخفف عنه عناء الحياة وهمومها، تبتسم في وجهه إن كان مسرورا وتهدىء من غضبه إن كان مغضبا، تحتويه بما لديها من حب وحنان وإخلاص.. هذا هو السكن المعنوي، سكن القلب. وقوله: ﴿ ومن أصوافها وأوبارها وأشعارهآ أثاثا ومتاعا إلى حين ﴾ [النحل: 80]. الأصواف للغنم، والأوبار للإبل، والشعر للماعز.. فما الفرق بين هذه الثلاث في الاستعمال؟ يستعمل الناس كلا من الصوف والوبر لأن الشعيرات فيها دقيقة جدا يمكن ندفها وغزلها والانتفاع بها في الفرش والأبسطة والألحفة والملابس وغيرها مما يحتاجه الناس. أما شعر الماعز فالشعيرات فيه ثخينة لا يمكن ندفها أو غزلها، فلا يمكن الانتفاع به في هذه المنسوجات، وقوله تعالى: ﴿ أثاثا ومتاعا إلى حين ﴾ [النحل: 80]. الأثاث: هو ما يوجد في البيت مما تتطلبه حركة الحياة كالأبسطة والمفارش والملابس والستائر. والمتاع: هو ما يستمتع وينتفع به.. والفرق بينهما أن الأثاث قد يكون ثابتا لا يتغير كثيرا، أما المتاع فقد يتغير حسب الحاجة.

فأنت مثلا قد تحتاج إلى تغيير التلفاز القديم لتأتي بآخر حديث، ملون مثلا، لكن قلما تغير الثلاجة أو الغسالة مثلا. وقوله: ﴿ إلى حين ﴾ [النحل: 80]. لأن الإنسان قد يغتر حين يستوفي متطلبات حياته، وقد تلهيه هذه النعم عن مطلوب المنعم سبحانه، فينشغل بالنعمة التي هو فيها عن المنعم الذي أنعم عليه بها.. فتأتي هذه الآية محذرة. إياك أن تغتر بالمتاع والأثاث لأنها متاع إلى حين.. متاع موقوت لا يدوم، ومهما استوفيت حظك منها في الدنيا فإنها صائرة إلى أمرين: إما أن تفوتها بالموت، وإما أن تفوتك بالفقر والحاجة.. إذن: هي ذاهبة ذاهبة.. فتذكروا دائما قوله تعالى: ﴿ إلى حين ﴾ [النحل: 80]. فمتاع النعمة موقوت، لكن متاع المنعم سبحانه خالد. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ والله جعل لكم... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣١٢٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣١٢٣