تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أهم يقسمون رحمت ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا

[الزخرف: 32]. البعض يفهم أن الفقير مسخر للغني، لكن الحقيقة أن كلا منهما مسخر للآخر.. فالفقير مسخر للغني حينما يعمل له العمل، والغني مسخر للفقير حينما يعطي له أجره.. ولذلك فالشاعر العربي يقول:

الناس للناس من بدو وحاضرة

بعض لبعض وإن لم يشعروا خدم

ونضرب هنا مثلا بأخس الحرف في عرف الناس - وإن كانت الحرف كلها شريفة، وليس فيها خسة طالما يقوت الإنسان منها نفسه وعياله من الحلال.

. فالخسة في العاطل الأخرق الذي يتقن عملا. هذا العامل البسيط ماسح الأحذية ينظر إليه الناس على أنهم أفضل منه، وأنه أقل منهم، ولو نظروا إلى علبة الورنيش التي يستخدمها لوجدوا كثيرين من العمال والعلماء والمهندسين والأغنياء يعملون له هذه العلبة، وهو فاضل عليهم جميعا حينما يشتري علبة الورنيش هذه.. لكن الناس لا ينظرون إلى تسخير كل هؤلاء لهذا العامل البسيط. فقوله تعالى:

ليتخذ بعضهم بعضا سخريا..

[الزخرف: 32]. من منا يسخر الآخر؟! كل منا مسخر للآخر، أنت مسخر لي فيما تتقنه، وأنا مسخر لك فيما أتقنه.. هذه حكمة الله في خلقه ليتم التوازن والتكامل بين أفراد المجتمع. وربنا سبحانه وتعالى لم يجعل هذه المهن طبيعية فينا.. يعني هذا لكذا وهذا لكذا.. لا.. الذي يرضى بقدر الله فيما يناسبه من عمل مهما كان حقيرا في نظر الناس، ثم يتقن هذا العمل ويجتهد فيه ويبذل فيه وسعه يقول له الحق سبحانه: ما دمت رضيت بقدري في هذا العمل لأرفعنك به رفعة يتعجب لها الخلق.. وفعلا تراهم ينظرون إلى أحدهم ويشيرون إليه: كان شيالا.. كان أجيرا.. نعم كان.. لكنه رضي بما قسم الله وأتقن وأجاد، فعوضه الله ورفعه وأعلى مكانته. ولذلك يقولون: من عمل بإخلاص في أي عمل عشر سنين يسيده الله بقية عمره، ومن عمل بإخلاص عشرين سنة يسيد الله أبناءه، ومن عمل ثلاثين سنة سيد الله أحفاده.. لا شيء يضيع عند الله سبحانه. فليس فينا أعلى وأدنى، وإياك أن تظن أنك أعلى من الناس، نحن سواسية، ولكن منا من يتقن عمله، ومنا من لا يتقن عمله ولذلك قالوا: قيمة كل امرئ ما يحسنه. ولا تنظر إلى زاوية واحدة في الإنسان، ولكن انظر إلى مجموع الزوايا، وسوف تجد أن الحق سبحانه عادل في تقسيم المواهب على الناس. وقد ذكرنا أنك لو أجريت معادلة بين الناس لوجدت مجموع كل إنسان يساوي مجموع كل إنسان، بمعنى أنك لو أخذت مثلا: الصحة والمال والأولاد والقوة والشجاعة وراحة البال والزوجة الصالحة والجاه والمنزلة.. الخ لوجدت نصيب كل منا في نهاية المعادلة يساوي نصيب الآخر، فأنت تزيد عني في القوة، وأنا أزيد عنك في العلم، وهكذا.. لأننا جميعا عبيد لله، ليس منا من بينه وبين الله نسب أو قرابة. وقوله تعالى: ﴿ فما الذين فضلوا برآدي رزقهم على ما ملكت أيمانهم.. ﴾ [النحل: 71]. فما ملكت أيمانهم: هم العبيد المماليك.. والمعنى: أننا لم نر أحدا منكم فضله الله بالرزق، فأخذه ووزعه على عبيده ومماليكه، أبدا.. لم يحدث ذلك منكم.

. والله سبحانه لا يعيب عليهم هذا التصرف، ولا يطلب منهم أن يوزعوا رزق الله على عبيدهم، ولكن في الآية إقامة للحجة عليهم، واستدلال على سوء فعلهم مع الله سبحانه وتعالى. وكأن القرآن يقول لهم: إذا كان الله قد فضل بعضكم في الرزق، فهل منكم من تطوع برزق الله له، ووزعه على عبيده؟.. أبدا.. لم يحدث منكم هذا.. فكيف تأخذون حق الله في العبودية والألوهية وحقه في الطاعة والعبادة والنذر والذبح، وتجعلونه للأصنام والأوثان؟! فأنتم لم تفعلوا ذلك فيما تملكون.. فكيف تسمحون لأنفسكم أن تأخذوا حق الله، وتعطوه للأصنام والأوثان؟ ويقول تعالى في آية أخرى:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣١٠٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣١٠٦