تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال مآ أظن أن تبيد هذه أبدا * ومآ أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا

[الكهف: 35-36]. فهذه مقولات ثلاث كاذبة: قوله:

مآ أظن أن تبيد هذه أبدا

[الكهف: 35]. هذه الأولى، فكم من أشياء تغيرت، ومن يضمن لك بقاء ما أنت فيه، والحق تبارك وتعالى يقول في آية أخرى:

إنا بلوناهم كما بلونآ أصحاب الجنة إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين * ولا يستثنون * فطاف عليها طآئف من ربك وهم نآئمون * فأصبحت كالصريم

[القلم: 17-20]. الكذبة الثانية:

ومآ أظن الساعة قائمة..

[الكهف: 36]. فقد أنكر الساعة. الكذبة الثالثة:

ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا

[الكهف: 36]. وهذا هو الشاهد في الآية هنا، ففيها اغترار وتمن على الله دون حق، كمن ادعوا أن لهم الحسنى، وهم ليسوا أهلا لها.

وفي موضع آخر تأتي نفس المقولة:

لا يسأم الإنسان من دعآء الخير وإن مسه الشر فيئوس قنوط * ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضرآء مسته ليقولن هذا لي ومآ أظن الساعة قآئمة ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى..

[فصلت: 49-50]. وهكذا الإنسان في طبعه أنه لا يسأم من طلب الخير، وكلما وصل فيه إلى مرتبة تمنى أعلى منها، يقنط إن مسه شر، وإن رفع الله عنه ورحمه قال: هذا لي.. أنا استحقه، وأنا جدير به.. ألا قلت: هذا فضل من الله ونعمة، ثم بعد ذلك هو يتمنى على الله الأماني ويقول:

إن لي عنده للحسنى..

[فصلت: 50]. ويروى أن سيدنا داود - عليه السلام - مع ما أعطاه الله من الملك والعظمة أنه صعد يوما سطح منزله، فابتلاه الله بسرب من الجراد الذهب، فحينما رآه داود جعل يجمع منه في ثوبه، فقال له ربه: ألم أغنك يا داود؟ قال: نعم ولكن لا غنى لي عن فضلك. وقوله تعالى: ﴿ لا جرم أن لهم النار.. ﴾ [النحل: 62]. لا جرم: أي حقا أن لهم النار على ما تقدم منهم أن جعلوا لله ما يكرهون، وتصف ألسنتهم الكذب، وهذه أفعال يستحقون النار عليها. وكلمة ﴿ لا جرم ﴾ منها جارم بمعنى مجرم، فالمعنى: لا جريمة في عقاب هؤلاء، لأنه لا يقال على عقوبة الجريمة أنها جريمة.. إذن: لها معنيان، لا بد أن لهم النار، أو لا جريمة في أن لهم النار جزاء أعمالهم. ﴿ وأنهم مفرطون ﴾ [النحل: 62]. جاءت في كلمة مفرطون عدة قراءات: مفرطون، مفرطون، مفرطون، مفرطون. وجمعيها تلتقي في المعنى. نحن حينما نصلي على جنازة مثلا، إذا كان الميت مكلفا نقول في الدعاء له: " اللهم اغفر له، اللهم ارحمه.. اللهم إن كان محسنا فزد في إحسانه، وإن كان مسيئا فتجاوز عن سيئاته ". فإن كان صغيرا غير مكلف قلنا في الدعاء له " اللهم اجعله فرطا وذخرا ". فما معنى فرطا هنا؟ معناه: أن يكون الطفل فرطا لأبويه ومقدمة لهما إلى الجنة.. يمر بين يدي والديه ويسبقهما إلى الجنة، وكأنه يقدم عليهما ليمهد لهما الطريق ليغفر الله لهما.. إذن: معنى مفرطون أي مقدمون. ولكن إلى النار. ومنه قوله تعالى عن فرعون:

يقدم قومه يوم القيامة..

[هود: 98]. أي: يتقدمهم إلى النار.. كما كنت مقدما عليهم، وإماما لهم في الدنيا، فسوف تتقدمهم هنا وتسبقهم إلى النار.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٠٩٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٠٩٤