. } [النحل: 51]. فجاء بقوله تعالى ﴿ واحد ﴾ لتأكيد وحدانية الله تعالى. وفي الآية ملحظ آخر يجب تأمله، وهو أن الكلام هنا في حالة الغيبة: ﴿ إنما هو إله واحد.. ﴾ [النحل: 51]. فكان القياس في اللغة هنا أن يقول: " فإياه فارهبون ". ولكن وراء تحويل السياق من الغيبة إلى المجابهة للمتكلم قال: ﴿ فإياي فارهبون ﴾ [النحل: 51]. وهذا وراءه حكمة، وملحظ بلاغي، فبعد أن أكد الألوهية بقوله تعالى: ﴿ إنما هو إله واحد.. ﴾ [النحل: 51]. صح أن يجابههم بذاته لأن المسألة ما دامت مسألة رهبة، فالرهبة من المتكلم خير من الرهبة من الغائب.. وكأن السياق يقول: ها هو سبحانه أمامك، وهذا أدعى للرهبة. وكذلك في فاتحة الكتاب نقرأ:
الحمد لله رب العالمين * الرحمن الرحيم * ملك يوم الدين
[الفاتحة: 2-4]. ولم يقل: إياه نعبد، متابعة للغيبة، بل تحول إلى ضمير الخطاب فقال:
إياك نعبد وإياك نستعين
[الفاتحة: 5]. ذلك لأن العبد بعد أن استحضر صفة الجلال والعظمة أصبح أهلا للمواجهة والخطاب المباشر مع الله عز وجل. فقوله: ﴿ فإياي فارهبون ﴾ [النحل: 51]. بعد ما استحضر العبد عظمة ربه، وأقر له بالوحدانية وعلم أنه إله واحد، وليس إلهين. واحد يقول: نعذبه. والآخر يقول: لا. ليس الأمر كذلك، بل إله واحد بيده أن يعذب، وبيده أن يعفو، فناسب السياق هنا أن يواجههم فيقول: ﴿ فإياي فارهبون ﴾ [النحل: 51]. ثم يقول تعالى: ﴿ وله ما في السماوات والأرض... ﴾.