تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

. فيموت أبوه وهو في بطن أمه، ثم تموت أمه وما يزال طفلا صغيرا، ثم يموت جده، فمن يضمن له الحياة إلى سن الأربعين، حيث تتفجر عنده هذه العبقرية؟! إذن: تفكروا، فليست هذه عبقرية من محمد، بل هي أمر من السماء ولذلك أمره ربه تبارك وتعالى أن يقول لهم:

قل لو شآء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون

[يونس: 16]. فكان عليكم أن تفكروا في هذه المسألة.. ولو فكرتم فيها كان يجب عليكم أن تتهافتوا على الإسلام، فأنتم أعلم الناس بمحمد، وما جربتم عليه لا كذبا ولا خيانة، ولا اشتغالا بالشعر أو الخطابة، فما كان ليصدق عندكم ويكذب على الله. ولا بد أن نفرق بين العقل والفكر. فالعقل هو الأداة التي تستقبل المحسات وتميزها، وتخرج منها القضايا العامة التي ستكون هي المبادىء التي يعيش الإنسان عليها، والتي ستكون عبارة عن معلومات مختزنة، أما الفكر فهو أن تفكر في هذه الأشياء لكي تستنبط منها الحكم. والله سبحانه وتعالى ترك لنا حرية التفكير وحرية العقل في أمور دنيانا، لكنه ضبطنا بأمور قسرية يفسد العالم بدونها، فالذي يفسد العالم أن نترك ما شرعه الله لنا.. والباقي الذي لا يترتب عليه ضرر يترك لنا فيه مجالا للتفكير والتجربة لأن الفشل فيه لا يضر. فما أراده الله حكما قسريا فرضه بنص صريح لا خلاف فيه، وما أراده على وجوه متعددة يتركه للاجتهاد حيث يحتمل الفعل فيه أوجها متعددة، ولا يؤدي الخطأ فيه إلى فساد. فالمسألة ميزان فكري يتحكم في المحسات وينظم القضايا، لنرى أولا ما يريده الله بتا وما يريده اجتهادا، وما دام اجتهادا فما وصل إليه المجتهد يصح أن يعبد الله به، ولكن آفة الناس في الأمور الاجتهادية أن منهم من يتهم مخالفه، وقد تصل الحال بهؤلاء إلى رمي مخالفيهم بالكفر والعياذ بالله. ونقول لمثل هذا: اتق الله، فهذا اجتهاد من أصاب فيه فله أجران، ومن أخطأ فله أجر.. ولذلك نجد من العلماء من يعرف طبيعة الأمور الاجتهادية فنراه يقول: رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب. وهكذا يتعايش الجميع وتحترم الآراء. ومن رحمة الله بعباده أن يأمرهم بالتفكر والتدبر والنظر ذلك لأنهم خلقه سبحانه، وهم أكرم عليه من أن يتركهم للضلال والكفر، بعد أن أكرمهم بالخلق والعقل، فأراد سبحانه أن يكرمهم إكراما آخر بالطاعة والإيمان. وكأنه سبحانه يقول لهم: ردوا عقولكم ونفوسكم عن كبرياء الجدل ولجج الخصومة، وإن كنتم لا تؤمنون بالبعث في الآخرة، وبما أعد للظالمين فيها من عقاب، فانظروا إلى ما حدث لهم وما عجل لهم من عذاب في الدنيا. انظروا للذين سبقوكم من الأمم المكذبة وما آل إليه مصيرهم، أم أنتم آمنون من العذاب، بعيدون عنه؟! ثم يقول تبارك وتعالى: ﴿ أفأمن الذين مكروا... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٠٧١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٠٧١