تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون

[الحجر: 9]. أما الكتب السابقة فقد عهد إلى التابعين لكل رسول منهم بحفظ كتابه، كما قال تعالى:

إنآ أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله..

[المائدة: 44]. ومعنى استحفظوا: أي طلب الله منهم أن يحفظوا التوراة، وهذا أمر تكليف قد يطاع وقد يعصى، والذي حدث أن اليهود عصوا وبدلوا وحرفوا في التوراة.. أما القرآن فقد تعهد الله تعالى بحفظه ولم يترك هذا لأحد لأنه الكتاب الخاتم الذي سيصاحب البشرية إلى قيام الساعة. ومن الذكر أيضا ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم مع القرآن، وهو الحديث الشريف، فللرسول مهمة أخرى، وهي منهجه الكلامي وحديثه الشريف الذي جاء من مشكاة القرآن مبينا له وموضحا له... كما قال صلى الله عليه وسلم:

" ألا وإني قد أوتيت القرآن ومثله معه، يوشك رجل شبعان يتكىء على أريكته يحدث بالحديث عني فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه من حلال حللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه، ألا وإنه ليس كذلك ".

ويقول الحق سبحانه: ﴿ لتبين للناس ما نزل إليهم.. ﴾ [النحل: 44]. إذن: جاء القرآن كتاب معجزة، وجاء كتاب منهج، إلا أنه ذكر أصول هذا المنهج فقط، ولم يذكر التعريفات المنهجية والشروح اللازمة لتوضيح هذا المنهج، وإلا لطالت المسألة، وتضخم القرآن وربما بعد عن مراده. فجاء القرآن بالأصول الثابتة، وترك للرسول صلى الله عليه وسلم مهمة أن يبينه للناس، ويشرحه ويوضح ما فيه. وقد يظن البعض أن كل ما جاءت به السنة لا يلزمنا القيام به لأنه سنة يثاب من فعلها ولا يعاقب من تركها.. نقول: لا.. لا بد أن نفرق هنا بين سنية الدليل وسنية الحكم، حتى لا يلتبس الأمر على الناس. فسنية الدليل تعني وجود فرض، إلا أن دليله ثابت من السنة.. وذلك كبيان عدد ركعات الفرائض: الصبح والظهر والعصر والمغرب والعشاء، فهذه ثابتة بالسنة وهي فرض. أما سنية الحكم: فهي أمور وأحكام فقهية وردت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها.. فحين يبين لنا الرسول بسلوكه وأسوته حكما ننظر: هل هي سنية الدليل فيكون فرضا، أم سنية الحكم فيكون سنة؟ ويظهر لنا هذا أيضا من مواظبة الرسول على هذا الأمر، فإن واظب عليه والتزمه فهو فرض، وإن لم يواظب عليه فهو سنة. إذن: مهمة الرسول ليست مجرد مناولة القرآن وإبلاغه للناس، بل وبيان ما جاء فيه من المنهج الإلهي، فلا يستقيم هنا البلاغ دون بيان.. ولا بد أن نفرق بين العطائين: العطاء القرآني، والعطاء النبوي. ويجب أن نعلم هنا أن من الميزات التي ميز بها النبي صلى الله عليه وسلم عن سائر إخوانه من الرسل، أنه الرسول الوحيد الذي أمنه الله على التشريع، فقد كان الرسل السابقون يبلغون أوامر السماء فقط وانتهت المسألة، أما محمد صلى الله عليه وسلم فقد قال الحق تبارك وتعالى في حقه:

ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا..

[الحشر: 7]. إذن: أخذ ميزة التشريع، فأصبحت سنته هي التشريع الثاني بعد القرآن الكريم. ثم يقول تعالى: ﴿ ولعلهم يتفكرون ﴾ [النحل: 44]. يتفكرون.. في أي شيء؟ يتفكرون في حال الرسول صلى الله عليه وسلم قبل البعثة، حيث لم يؤثر عنه أنه كان خطيبا أو أديبا شاعرا، ولم يؤثر عنه أنه كان كاتبا متعلما.. لم يعرف عنه هذا أبدا طيلة أربعين عاما من عمره الشريف، لذلك أمرهم بالتفكر والتدبر في هذا الأمر. فليس ما جاء به محمد عبقرية تفجرت هكذا مرة واحدة في الأربعين من عمره، فالعمر الطبيعي للعبقريات يأتي في أواخر العقد الثاني وأوائل العقد الثالث من العمر. ولا يعقل أن تؤجل العبقرية عند رسول الله إلى هذا السن وهو يرى القوم يصرعون حوله.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٠٧٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٠٧٠