تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

سيقول الذين أشركوا لو شآء الله مآ أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء..

[الأنعام: 148]. فهنا ﴿ سيقول ﴾ وفي الآية الأخرى ﴿ قال ﴾ لنعلم أنه لا يستطيع أحد معارضة قول الله تعالى، أو تغيير حكمه. ثم يقول تعالى: ﴿ نحن ولا آباؤنا.. ﴾ [النحل: 35]. لماذا لم يتحدث هؤلاء عن أنفسهم فقط؟ ما الحكمة في دفاعهم عن آبائهم هنا؟ الحكمة أنهم سيحتاجون لهذه القضية فيما بعد وسوف يجعلونها حجة حينما يقولون:

إنا وجدنآ آبآءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون

[الزخرف: 22]. إذن: لا حجة لهؤلاء الذين يعلقون إسرافهم على أنفسهم على شماعة القدر، وأن الله تعالى كتب عليهم المعصية لأننا نرى حتى من المسلمين من يتكلم بهذا الكلام، ويميل إلى هذه الأباطيل، ومنهم من تأخذه الجرأة على الله عز وجل فيشبه هذه القضية بقول الشاعر:

ألقاه في اليم مكتوفا وقال له

إياك إياك أن تبتل بالماء

وما يفعل هذا إلا ظالم!! تعالى الله وتنزه عن قول الجهال والكافرين، وأيضا هناك من يقول: إن الإنسان هو الذي يخلق الفعل، ويعارضهم آخرون يقولون: لا بل ربنا هو الذي يخلق الفعل. نقول لهم جميعا: افهموا، ليس هناك في الحقيقة خلاف.. ونسأل: ما هو الفعل؟ الفعل توجيه جارحة لحدث، فأنت حينما توجه جارحة لحدث، ما الذي فعلته أنت؟ هل أعطيت لليد مثلا قوة الحركة بذاتها؟ أم أن إرادتك هي التي وجهت حركتها؟ والجارحة مخلوقة لله تعالى، وكذلك الإرادة التي حكمت على الجارحة مخلوقة لله أيضا.

. إذن: ما فعلته أنت ما هو إلا أن وجهت المخلوق لله إلى ما لا يحب الله - في حالة المعصية - وإلى ما يحبه الله في حالة الطاعة. كذلك لا بد أن نلاحظ أن لله تعالى مرادات كونية ومرادات شرعية.. فالمراد الكوني هو ما يكون فعلا، كل ما تراه في الكون أراد الله أن يكون. والمراد الشرعي: هو طلب الشيء لمحبوبيته. ولنأخذ مثلا لتوضيح ذلك: كفر الكافر، أراد الله كونيا أن يكون، لأنه خلقه مختارا وقال:

فمن شآء فليؤمن ومن شآء فليكفر..

[الكهف: 29]. وطالما خلقك الله مختارا تستطيع أن تتوجه إلى الإيمان، أو تتوجه إلى الكفر، ثم كفرت. إذن: فهل كفرت غصبا عنه وعلى غير مراده سبحانه وتعالى؟ حاشا لله ومعنى ذلك أن كفر الكافر مراد كوني، وليس مرادا شرعيا. وبنفس المقياس يكون إيمان المؤمن مرادا كونيا ومرادا شرعيا، أما كفر المؤمن، المؤمن حقيقة لم يكفر. إذن: هو مراد شرعي وكذلك مراد كوني، وهكذا، فلا بد أن نفرق بين المراد كونيا والمراد شرعيا. ولذلك لما حدثت ضجة في الحرم المكي منذ سنوات، وحدث فيه إطلاق للنار وترويع للآمنين، قال بعضهم: كيف يحدث هذا وقد قال تعالى:

ومن دخله كان آمنا

[آل عمران: 97]. وها هو الحال قتل وإزعاج للآمنين فيه؟! والحقيقة أن هؤلاء خلطوا بين مراد كوني ومراد شرعي، فالمقصود بالآية: فمن دخله فأمنوه. أي: اجعلوه آمنا، فهذا مطلب من الله تبارك وتعالى، وهو مراد شرعي قد يحدث وقد لا يحدث.. أما المراد الكوني فهو الذي يحدث فعلا. وبذلك يكون ما حدث في الحرم مرادا كونيا، وليس مرادا شرعيا. ثم يقول تعالى على لسانهم: ﴿ ولا حرمنا من دونه من شيء.. ﴾ [النحل: 35]. وقد ورد توضيح هذه الآية في قوله تعالى:

ما جعل الله من بحيرة ولا سآئبة ولا وصيلة ولا حام ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون

[المائدة: 103]. ثم يقول تعالى مقررا: ﴿ كذلك فعل الذين من قبلهم.. ﴾ [النحل: 35]. أي: هذه سنة السابقين المعاندين. ﴿ فهل على الرسل إلا البلاغ المبين ﴾ [النحل: 35]. البلاغ هو ما بين عباد الله وبين الله، وهو بلاغ الرسل، والمراد به المنهج " افعل أو لا تفعل ". ولا يقول الله لك ذلك إلا وأنت قادر على الفعل وقادر على الترك. لذلك نرى الحق تبارك وتعالى يرفع التكليف عن المكره فلا يتعلق به حكم لأنه في حالة الإكراه قد يفعل ما لا يريده ولا يحبه، وكذلك المجنون والصغير الذي لم يبلغ التعقل، كل هؤلاء لا يتعلق بهم حكم.. لماذا؟ لأن الله تعالى يريد أن يضمن السلامة لآلة الترجيح في الاختيار.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٠٥٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٠٥٦