تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" ما من مسلم يغرس غرسا، أو يزرع زرعا، فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة ".

ومن هذه الآية أيضا يتضح لنا جانب آخر، هو ثمرة من ثمرات الإحسان في الدنيا وهي الأمن.

. فمن عاش في الدنيا مستقيما لم يقترف ما يعاقب عليه تجده آمنا مطمئنا، حتى إذا داهمه شر أو مكروه تجده آمنا لا يخاف، لأنه لم يرتكب شيئا يدعو للخوف. خذ مثلا اللص تراه دائما متوجسا خائفا، تدور عينه يمينا وشمالا، فإذا رأى شرطيا هلع وترقب وراح يقول في نفسه: لعله يقصدني.. أما المستقيم فهو آمن مطمئن. ومن ثمرات هذا الإحسان وهذه الاستقامة في الدنيا أن يعيش الإنسان على قدر إمكاناته ولا يرهق نفسه بما لا يقدر عليه، وقديما قالوا لأحدهم: قد غلا اللحم، فقال: أرخصوه، قالوا: وكيف لنا ذلك؟ قال: ازهدوا فيه. وقد نظم ذلك الشاعر فقال:

وإذا غلا شيء علي تركته

فيكون أرخص ما يكون إذا غلا

ولا تقل: النفس تواقة إليه راغبة فيه، فهي كما قال الشاعر:

والنفس راغبة إذا رغبتها

وإذا ترد إلى قليل تقنع

وفي حياتنا العملية، قد يعود الإنسان من عمله ولما ينضج الطعام، ولم تعد المائدة وهو جائع، فيأكل أي شيء موجود وتنتهي المشكلة، ويقوم هذا محل هذا، وتقنع النفس بما نالته. ولكي يعيش الإنسان على قدر إمكاناته لا بد له أن يوازن بين دخله ونفقاته، فمن كان عنده عسر في دخله، أو ضاقت عليه منافذ الرزق لا بد له من عسر في مصروفه، ولا بد له أن يضيق على النفس شهواتها، وبذلك يعيش مستورا ميسورا، راضي النفس، قرير العين. والبعض في مثل هذه المواقف يلجأ إلى الاستقراض للإنفاق على شهوات نفسه، وربما اقترض ما يتمتع به شهرا، ويعيش في ذلة دهرا لذا من الحكمة إذن قبل أن تسأل الناس القرض سل نفسك أولا، واطلب منها أن تصبر عليك، وأن تنظرك إلى ساعة اليسر، ولا تلجئك إلى مذلة السؤال.. وقبل أن تلوم من منعك لم نفسك التي تأبت عليك أولا. وما أبدع شاعرنا الذي صاغ هذه القيم في قوله:

إذا رمت أن تستقرض المال منفقا

على شهوات النفس في زمن العسر

فسل نفسك الإنفاق من كنز صبرها

عليك وإنظارا إلى ساعة اليسر

فإن فعلت كنت الغني، وإن أبت

فكل منوع بعدها واسع العذر

ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ ولدار الآخرة خير.. ﴾ [النحل: 30]. والخير في الآخرة من الله، والنعيم فيها على قدر المنعم تبارك وتعالى، دون تعب ولا كد ولا عمل. ومعلوم أن كلمة: ﴿ قالوا خيرا.. ﴾ [النحل: 30]. التي فسرها الحق تبارك وتعالى بقوله: ﴿ للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة.. ﴾ [النحل: 30]. تقابلها كلمة " شر " ، هذا الشر هو ما جاء في قول الكافرين:

ماذآ أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين

[النحل: 24]. فهؤلاء قالوا خيرا، وأولئك قالوا شرا. ولكن إذا قيل: ذلك خير من ذلك، فقد توفر الخير في الاثنين، إلا أن أحدهما زاد في الخيرية عن الآخر، وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم:

" المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير ".

لذلك لما قال: ﴿ للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة.. ﴾ [النحل: 30]. قال: ﴿ ولدار الآخرة خير.. ﴾ [النحل: 30]. أي: خير من حسنة الدنيا، فحسنة الدنيا خير، وأخير منها حسنة الآخرة. وينهي الحق سبحانه الآية بقوله: ﴿ ولنعم دار المتقين ﴾ [النحل: 30]. أي: دار الآخرة. ثم أراد الحق تبارك وتعالى أن يعطينا صورة موجزة عن دار المتقين كأنها برقية، فقال سبحانه: ﴿ جنات عدن يدخلونها... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٠٤٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٠٤٩