فليلقه اليم بالساحل..
[طه: 39]. وهكذا نجد أن أمرا من الله قد صدر للبحر بأن يحمل موسى إلى الشاطىء فور أن تلقيه أمه فيه. وهكذا يتضح لنا معنى التسخير للبحر في مهام أخرى، غير أنه يوجد به السمك ونستخرج منه الحلي. ونعلم أن ماء البحر مالح عكس ماء النهر وماء المطر فالمائية تنقسم إلى قسمين مائية عذبة، ومائية ملحية. وقوله الحق عن ذلك:
وما يستوي البحران هذا عذب فرات سآئغ شرابه وهذا ملح أجاج ومن كل تأكلون لحما طريا وتستخرجون حلية تلبسونها..
[فاطر: 12]. ويسمونهم الاثنين على التغليب في قوله الحق:
مرج البحرين يلتقيان
[الرحمن: 19]. والمقصود هنا الماء العذب والماء المالح، وكيف يختلطان، ولكن الماء العذب يتسرب إلى بطن الأرض، وأنت لو حفرت في قاع البحر لوجدت ماء عذبا، فالحق سبحانه هو الذي شاء ذلك وبينه في قوله:
ألم تر أن الله أنزل من السمآء مآء فسلكه ينابيع في الأرض..
[الزمر: 21]. وهنا يقول سبحانه: ﴿ وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا.. ﴾ [النحل: 14]. واللحم إذا أطلق يكون المقصود به اللحم المأخوذ من الأنعام، أما إذا قيد ب " لحم طري " فالمقصود هو السمك، وهذه مسألة من إعجازية التعبير القرآني لأن السمك الصالح للأكل يكون طريا دائما.
ونجد من يشتري السمك وهو يثني السمكة، فإن كانت طرية فتلك علامة على أنها صالحة للأكل، وإن كانت لا تنثني فهذا يعني أنها فاسدة، وأنت إن أخرجت سمكة من البحر تجد لحمها طريا فإن ألقيتها في الماء فهي تعود إلى السباحة والحركة تحت الماء أما إن كانت ميتة فهي تنتفخ وتطفو. لذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن أكل السمك الطافي لأنه الميتة، وتقييد اللحم هنا بأنه طري كي يخرج عن اللحم العادي وهو لحم الأنعام ولذلك نجد العلماء يقولون: من حلف ألا يأكل لحما ثم أكل سمكا فهو لا يحنث لأن العرف جرى على أن اللحم هو لحم الأنعام. ويقول الحق سبحانه في نفس الآية عن تسخير البحر: ﴿ وتستخرجوا منه حلية تلبسونها.. ﴾ [النحل: 14]. وهكذا نجد أن هذه المسألة تأخذ جهدا لأنها رفاهية أما السمك فقال عنه مباشرة: ﴿ لتأكلوا منه لحما طريا.. ﴾ [النحل: 14]. والأكل أمر ضروري لذلك تكفله الله وأعطى التسهيلات في صيده، أما الزينة فلك أن تتعب لتستخرجه، فهو ترف. وضروريات الحياة مجزولة أما ترف الحياة فيقتضي منك أن تغطس في الماء وتتعب من أجله. وفي هذا إشارة إلى أن من يريد أن يرتقي في معيشته فليكثر من دخله ببذل عرقه لا أن يترف معيشته من عرق غيره. ويقول سبحانه: ﴿ تستخرجوا منه حلية تلبسونها.. ﴾ [النحل: 14]. والحلية كما نعلم تلبسها المرأة. والملحظ الأدنى هنا أن زينة المرأة هي من أجل الرجل فكأن الرجل هو الذي يستمتع بتلك الزينة، وكأنه هو الذي يتزين. أو: أن هذه المستخرجات من البحر ليست محرمة على الرجال مثل الذهب والحرير فالذهب والحرير نقد أما اللؤلؤ فليس نقدا. واللبس هو الغالب الشائع، وقد يصح أن تصنع من تلك الحلية عصا أو أي شيء مما تستخدمه. ويتابع سبحانه في نفس الآية: ﴿ وترى الفلك مواخر فيه.. ﴾ [النحل: 14]. ولم تكن هناك بواخر كبيرة كالتي في عصرنا هذا بل فلك صغيرة. ونعلم أن نوحا عليه السلام هو أول من صنع الفلك، وسخر منه قومه ولو كان ما يصنعه أمرا عاديا لما سخروا منه. وبطبيعة الحال لم يكن هناك مسامير لذلك ربطها بالحبال ولذلك قال الحق سبحانه عنه:
وحملناه على ذات ألواح ودسر
[القمر: 13]. وكان جري مركب نوح بإرادة الله، ولم يكن العلم قد تقدم ليصنع البشر المراكب الضخمة التي تنبأ بها القرآن في قوله الحق:
وله الجوار المنشئات في البحر كالأعلام
[الرحمن: 24]. ونحن حين نقرؤها الآن نتعجب من قدرة القرآن على التنبؤ بما اخترعه البشر فالقرآن عالم بما يجد لا بقهريات الاقتدار فقط بل باختيارات البشر أيضا.