فكأن: ﴿ أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون ﴾ [النحل: 2]. هي تفسير لما أنزله الله على الملائكة من الروح التي قلنا من قبل: إنها الروح الثانية التي يجيء بها الوحي وتحمل منهج الله ليضمن للمعتنق حياة لا يزول نعيمها ولا المتنعم بها وهي غير الروح الأولى التي إذا نفخها الحق في الإنسان، فالحياة تدب فيه حركة وحسا ولكنها إلى الفناء. وكأن الحق سبحانه من رحمته بخلقه أن أنزل لهم المنهج الذي يهديهم الحياة الباقية بدلا من أن يظلوا أسرى الحياة الفانية وحدها. ومن رحمته أيضا أن حذرهم من المصير السيئ الذي ينتظر من يكفر به ومثل هذا التحذير لا يصدر إلا من محب فسبحانه يحب خلقه، ويحب منهم أن يكونوا إليه مخلصين مؤمنين، ويحب لهم أن ينعموا في آخرة لا أسباب فيها لأنهم سيعيشون فيها بكلمة " كن " من المسبب. فإذا قال لهم ﴿ أنه لا إله إلا أنا.. ﴾ [النحل: 2] فهو يوضح أنه لا إله غيره، فلا تشركوا بي شيئا، ولا تكذبوا الرسل وعليكم بتطبيق منهجي الذي ينظم حياتكم وأجازي عليه في الآخرة. وإياكم أن تغتروا بأني خلقت الأسباب مسخرة لكم فأنا أستطيع أن أقبض هذه الأسباب فقد أردت الدنيا بلاء واختبارا وفي الآخرة لا سلطان للأسباب أبدا:
لمن الملك اليوم لله الواحد القهار
[غافر: 16]. وظاهر الأمر أن الملك لله في الآخرة، والحقيقة أن الملك لله دائما في الدنيا وفي الآخرة ولكنه شاء أن يجعل الأسباب - المخلوقة بمشيئته - تستجيب للإنسان فإياك أن تظن أنك أصبحت قادرا فأنت في الحياة تملك أشياء، ويملكك ملك أو حاكم مثلك فسنة الكون أن يوجد نظام يحكم الجميع. ولكن الآخرة يختلف الأمر فيها فلا ملك لأحد غير الله، بل إن الأعضاء نفسها لا تسير بإرادة أصحابها بل بإرادة الحق، تلك الأعضاء التي كانت تخضع لمشيئتك في الدنيا لا حكم لك عليها في الآخرة، بل ستكون شاهدة عليك. فإن كان الله قد أعطاك القدرة على تحريك الأعضاء في الدنيا، فإن وجهتها إلى مأمور الله فأنت من عباده، وإن لم توجهها إلى مطلوب الله، فأنت من عبيده. وبعد ذلك يقدم لك سبحانه الحيثية التي تعزز أمره بعبادته وحده، وأن لا إله غيره فإنه لم يطلب أن نعبده إلا بعد أن خلق لنا السماوات والأرض وكل الكون المعد لاستقبال الإنسان بالحق أي بالشيء الثابت والقانون الذي ليس في اختيار أحد سواه سبحانه. ويقول سبحانه: ﴿ خلق السماوات والأرض... ﴾.