وكذلك أوحينآ إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان..
[الشورى: 52]. ويسمي الحق سبحانه الملك الذي ينزل بالقرآن روحا، فيقول:
نزل به الروح الأمين * على قلبك لتكون من المنذرين
[الشعراء: 193-194]. ويشرح الحق سبحانه أن القرآن روح تعطينا حياة أرقى، فيقول:
يأيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم..
[الأنفال: 24]. أي: يدخل بكم إلى الحياة الأبدية التي لا موت فيها ولا خوف أن تفقد النعمة أو تذهب عنك النعمة. وهنا يبلغنا سبحانه أن القرآن نزل مع الملائكة: ﴿ ينزل الملائكة بالروح من أمره.. ﴾ [النحل: 2]. أي: تنزيلا صادرا بأمره سبحانه، ويقول الحق سبحانه في موقع آخر:
له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله..
[الرعد: 11]. والسطحيون لا يلتفتون إلى أن معنى:
من أمر الله..
[الرعد: 11]. هنا تعني أنهم يحفظونه بأمر من الله. والأمر هنا في الآية - التي نحن بصدد خواطرنا عنها - هو ما جاء في الآية الأولى منها:
أتى أمر الله فلا تستعجلوه..
[النحل: 1]. وهذا الأمر هو نتيجة لما يشاؤه الله من حياة للناس على الأرض، ونعلم أن الحق سبحانه له أوامر متعددة يجمعها إبراز المعدوم إلى الوجود فهو سبحانه القائل:
إنما قولنا لشيء إذآ أردناه أن نقول له كن فيكون
[النحل: 40]. فإذا شاء أمرا جزئيا فهو يقول له: كن فيكون، وإذا أراد منهجا فهو ينزله، وإذا أراد حسابا وعقابا وساعة فهو القائل ﴿ أتى أمر الله ﴾ وهكذا نفهم أن معنى ﴿ أمر الله ﴾ هو ﴿ كن فيكون ﴾ أي: إخراج المعدوم إلى حيز الوجود سواء أكان معدوما جزئيا، أو معدوما كليا، أو معدوما أزليا. وكل ذلك اسمه أمر، ولحظة أن يأمر الله فنحن نثق أن مأمور الله يبرز ولذلك قال سبحانه:
إذا السمآء انشقت * وأذنت لربها وحقت
[الانشقاق: 1-2]. أي: أنها لم تسمع الأمر فقط بل نفذته فور صدوره دون أدنى ذرة من تخلف، فأمر الله ينفذ فور صدوره من الحق سبحانه، أما أمر البشر فهو عرضة لأن يطاع، وعرضة لأن يعصى. وسبحانه ينزل الملائكة بالروح على من يشاء لينذروا ولم يأت الحق سبحانه بالبشارة هنا لأن الحديث موجه للكفار في قوله:
أتى أمر الله فلا تستعجلوه..
[النحل: 1]. ونزه ذاته قائلا: ﴿ سبحانه وتعالى عما يشركون ﴾ [النحل: 1]. أو: أن الحق ينبه رسوله، إن دخلت عليهم ففسر لهم مبهم ما لا يعرفون. وهم لا يعرفون كيفية الاصطفاء. وهو الحق الأعلم بمن يصطفي. ومشيئته الاصطفاء والاجتباء والاختيار إنما تتم بمواصفات الحق سبحانه فهو القائل:
الله أعلم حيث يجعل رسالته..
[الأنعام: 124]. وعلم أن الكافرين قد قالوا:
لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم
[الزخرف: 31]. وقال الحق سبحانه في رده عليهم:
أهم يقسمون رحمت ربك..
[الزخرف: 32]. فإذا كان الحق سبحانه قد قسم بين الخلق أرزاقهم في معيشتهم المادية وإذا كان سبحانه قد رفع بعضهم فوق بعض درجات وهو من يجعل المرفوع مخفوضا ويجعل المخفوض مرفوعا، فكيف يأتي هؤلاء في الأمور القيمية المتعلقة بالروح وبالمنهج، ويحاولون التعديل على الله ويقولون " نريد فلانا ولا نريد فلانا "؟ أو: أن الحق سبحانه يوضح لرسوله: بعد أن شرحت لهؤلاء أمر الوحي، فعليك أن تبلغهم كلمة الله: ﴿ لا إله إلا أنا فاتقون ﴾ [النحل: 2]. وما دام لا يوجد إله آخر فعلى الرسول أن يسدي لهم النصيحة بأن يقصروا على أنفسهم حيرة البحث عن إله، ويوضح لهم أن لا إله إلا هو وعليهم أن يتقوه. وفي هذا حنان من الحق على الخلق، وهو الحق الذي منع الكائنات التي تعجبت ورفضت كفر بعض من البشر بالله وطلبت أن تنتقم من الإنسان، وقال لهم: " لو خلقتموهم لرحمتموهم، دعوني وخلقي إن تابوا إلي فأنا حبيبهم وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم ". وقول الحق سبحانه: ﴿ أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون ﴾ [النحل: 2]. هو جماع عقائد السماء للأرض وجماع التعبدات التي طلبها الله من خلقه لينظم لهم حركة الحياة متساندة لا متعاندة.