تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذا ملخص ما اعتذر به السيد قطب عن هذا القول.

ولكن من الناحية العلمية والنصوص القرآنية، فقد تقدم: أن الحجارة التي من سجيل، جاء النص على أنها ليست خاصة بهؤلاء القوم، بل ألقيت على قوم لوط، بعد أن جعل عاليها سافلها، فما موقع الجدري منهم بعد إهلاكهم بإفكها المذكور؟

ثم جاء أيضا: أنها من طين، فأين الطين من الجراثيم الجدرية؟

ومن الناحية العلمية: من أين جيء بمكروب الجدري؟ وأين كان قبل أن تأتي به الطير الأبابيل؟

ومتى كان ميكروب الجدري أو غيره يميز بين قرشي وحبشي؟

ومتى كان أي ميكروب يفتك بقوم وبسرعة، يجعلهم كعصف مأكول، مع أن: فجعلهم، تشعر بالسرعة في إهلاكهم، والعصف اليابس الذي تعصف به الريح لخفته.

ومتى كان وجود الجدري طفرة وفجاءة، إنه يظهر في حالات فردية، ثم ينتشر هذا من الناحية العلمية، وإدراك العقل، لما عرف من ميكروب الجدري.

ولكن ملابسات الحادثة تمنع من تصور ذلك عقلا لعدم انتشاره في جميع أفراد المنطقة، ولعدم تأثيره فعلا بهذه الصورة، ولعدم أيضا تصور مجيئه فجاءة، فدل العقل نفسه على عدم صحة هذا القول.

ثم من ناحية أخرى إذا رددنا خوارق العادات لعدم تصور العقل لها، فكيف نثبت مثل: حنين الجذع، ونبع الماء من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم ونحو ذلك، وتسبيح الحصى في كفه صلوات الله وسلامه عليه؟

وقد شاهد العقل الصورة القصوى، وهي خروج الناقة من الصخرة لقوم صالح، بل إننا الآن بالحس والعقل نشاهد ما لا ندرك كنهه في وسائل الإعلام، ونسمع الصوت من الجماد مسجلا على شريط بسيط جدا.

فهل ينفي الباقي؟ بل كيف أثبت النصارى لعيسى ابن مريم عليه السلام إبراء الأكمه والأبرص. وإحياء الموتى، وعمل الطير من الطين، ثم ينفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله.

وكيف أثبت اليهود لموسى أمر العصا وشق البحر؟ وأين العقل من ذلك كله؟

الواقع أننا في زمان ومع كل قضية، يجب أن نلتزم جانب الاعتدال، لا هو جري وراء كل خبر، ولو كان إسرائيليا ولا هو رد لكل نص ولو كان صريحا قرآنيا، بل كما قال السيد قطب في ذلك:

يجب أن نستمد فكرنا من نصوص القرآن، وأن ما يقرره نعتقده ونقول به.

وقد ناقشنا هاتين الفكرتين القديمة التي استبعدت ذلك كلية، والحديثة التي أولتها.

ونضيف شيئا آخر في جانب الفكرة الثانية، وهي لعل مما حدا بأصحابها إلى ذلك ما جاء عن قتادة قوله: إنه لم ير الجدري بأرض العرب مثل تلك السنة.

وقيل أيضا: لم ير شجر الحنظل، إلا في ذلك التاريخ.

فيقال أيضا: إن العقل لا يستبعد هنا أن يكون إهلاك هذا الجيش الكبير بتلك الحجارة في مكان معسكره في بطن الوادي، ووقوع الجثث مصابة بها، لا يمنع أن تتعفن ثم يتولد منها مكروب الجدري، ولا مانع من ذلك. والعلم عند الله تعالى.

تنبيه آخر

قالوا: إن أصحاب هذا الجيش نصارى وهم أهل دين وكتاب، وأهل مكة وثنيون لا دين لهم، والكعبة ممتلأة بالأصنام، فكيف أهلك الله النصارى أصحاب الدين ولم يسلطهم على الوثنيين؟

وأجيب عن ذلك بعدة أجوبة.

منها: أن الجيش ظالم باغ، والبغي مرتعه وخيم، ولو كان المظلوم أقل من الظالم، ويشهد لذلك الحديث

" في نصرة المظلوم، واستجابة دعوته ولو كان كافرا ".

ومنها: أن الوثنية اعتداء على حق الله في العبادة، وغزو هذا الجيش اعتداء على حقوق العباد. ومنها: إنه إرهاص لمولد النبي صلى الله عليه وسلم، إذ ولد في هذا العام نفسه.

وكلها وإن كانت لها وجه من النظر، إلا أنه يبدو لي وجه، وهو أن الأصل في نشأة البيت وإقامته، إنما هو الله رفع قواعده وأقام الصلاة في رحابه، وكان طاهرا مطهرا للعاكفين فيه والركع السجود، وإنما الوثنية طارئة عليه وإلى أمد قصير مداه ودنا منتهاه، لدين جديد.

والمسيحية بنفسها تعلم ذلك وتنص عليه وتبشر به، فكانت معتدية على الحقين معا، حق الله في بيته، والذي تعلم حرمته وماله، وحق العباد الذين حوله.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٢٥٩٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٢٥٩٤