سأرهقه صعودا
[المدثر: 17]، وقوله:
ومن يعرض عن ذكر ربه يسلكه عذابا صعدا
[الجن: 17].
وقد ذكر الفخر الرازي تقسيما ثلاثيا، فقال: إما أن يكون ذلك كله في الدنيا أو كله في الآخرة، أو بعضه في الدنيا وبعضه في الآخرة، ولم يرجح قسما منها إلا أن وجه القول بأنها في الدنيا وهي في القسيسين، ونحوهم. فقال: لما نصبوا في عبادة إله وصفوه بما ليس متصفا به، وإنما تخيلوه تخيلا أي بقولهم
ثالث ثلاثة
[المائدة: 73] وقولهم:
عزير ابن الله
[التوبة: 30]، فكانت عبادتهم لتلك الذات المتخيلة لا لحقيقة الإله سبحانه.
ولا يبعد أن يقال على هذا الوجه: إن من كان ممن لا ينطق بالشهادتين ويعمل على جهالة فيما لا يعذر بجهله أن يخشى عليه من هذه الآية، كما يخشى على من يعمل على علم، ولكن في بدعة وضلالة.
ومما يشهد للأول حديث المسيء صلاته. ولأثر حذيفة " رأى رجلا يصلي فطفق فقال له: منذ كم تصلي هذه الصلاة؟ قال منذ أربعين سنة. قال له: ما صليت منذ أربعين سنة ولو مت على ذلك، مت على غير فطرة محمد صلى الله عليه وسلم ".
والأحاديث الواردة في ذلك على سبيل العمومات مثل قوله صلى الله عليه وسلم:
" من عمل عملا ليس عليه أمري فهو رد "
أي مردود.
وحديث الحوض
" فيذاد أقوام عن حوضي، فأقول: أمتي، أمتي، فيقال: إنك لا تدري ماذا أحدثوا بعدك إنهم غيروا وبدلوا ".
ونحو ذلك مما يوجب الانتباه إلى صحة العمل وموافقته لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم.
وكذلك القسم الثاني كما في قوله:
قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا * الذين ضل سعيهم
[الكهف: 103-104] الآية.
أما الراجح من القولين في زمن ﴿ عاملة ناصبة ﴾ أهو في الدنيا أم في الآخرة؟ فإنه القول بيوم القيامة، وهو مروي عن ابن عباس وجماعة، والأدلة على ذلك من نفس السياق.
ولشيخ الإسلام ابن تيمية كلام جيد جدا في هذا الترجيح، ولم أقف على قول لغيره أقوى منه، نسوق مجمله للفائدة:
قال في المجموع في تفسير هذه السورة بعد حكاية القولين: الحق هو الثاني لوجوه، وساق سبعة وجوه:
الأول: أنه على القول الثاني يتعلق الظرف بما يليه، أي وجوه يوم الغاشية، خاشعة عاملة ناصبة صالية.
أما على القول الأول فلا يتعلق إلا بقوله: تصلى. ويكون قوله: خاشعة صفة للوجوه، قد فصل بينها وبين الموصوف بأجنبي متعلق بصفة أخرى. والتقدير: وجوه خاشعة عاملة ناصبة يومئذ تصلى نارا حامية، والتقديم والتأخير على خلاف الأصل، فالأصل إقرار الكلام على نظمه وترتيبه لا تغيير ترتيبه، والتقديم والتأخير، إنما يكون مع قرينة.
والثاني: أن الله ذكر وجوه الأشقياء ووجوه السعداء في السورة بعد ذلك
وجوه يومئذ ناعمة * لسعيها راضية * في جنة عالية
[الغاشية: 8-10]، أي في ذلك اليوم، وهو يوم الآخرة: فالواجب تناظر القسمين أي في الظرف.
الثالث: أن نظير هذين القسمين ما ذكر في موضع آخر في قوله:
وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة * ووجوه يومئذ باسرة * تظن أن يفعل بها فاقرة
[القيامة: 22-25]، وفي موضع آخر في قوله:
وجوه يومئذ مسفرة * ضاحكة مستبشرة * ووجوه يومئذ عليها غبرة * ترهقها قترة * أولئك هم الكفرة الفجرة
[عبس: 38-42]، وهذا كله وصف للوجوه في الآخرة.
الرابع: أن المراد بالوجوه أصحابها لأن الغالب في القرآن وصف الوجوه بالعلامة كقوله:
سيماهم في وجوههم
[الفتح: 29]، وقوله
فلعرفتهم بسيماهم
[محمد: 30]، وهذا الوجه لم تتضح دلالته على المقصود.
الخامس: أن قوله: خاشعة عاملة ناصبة، لو جعل صفة لهم في الدنيا لم يكن في هذا اللفظ ذم، فإن هذا إلى المدح أقرب، وغايته أنه وصف مشترك بين عباده المؤمنين وعباده الكافرين، والذم لا يكون بالوصف المشترك ولو أريد المختص، لقيل: خاشعة للأوثان مثلا، عاملة لغير الله، ناصبة في طاعة الشيطان، وليس في القرآن ذم لهذا الوصف مطلقا ولا وعيد عليه، فحمله على هذا المعنى خروج عن الخطاب المعروف في القرآن، وهذا الوجه من أقواها في المعنى وأوضحها دلالة.