وقد قال الشيخ عن هذه الآية في دفع إيهام الاضطراب: لا يخفى أن أصل مرجع الضمير هو الأحد الدائر بين التجارة واللهو، بدلالة لفظة أو على ذلك، ولكن الضمير رجع إلى التجارة وحدها دون اللهو، فبينه وبين مفسره بعض منافاة في الجملة، والجواب: أن التجارة أهم من اللهو وأقوى سببا في الانفضاض عن النبي صلى الله عليه وسلم لأنهم انفضوا من أجل العير واللهو كان من أجل قدومها، مع أن اللغة يجوز فيها رجوع الضمير لأحد المذكورين قبله. أما في العطف بأو فواضح، كقوله تعالى:
ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا
[النساء: 112].
وأما الواو فهو فيها كثير كقوله
واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة
[البقرة: 45] وقوله
والله ورسوله أحق أن يرضوه
[التوبة: 62]، وقوله:
والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله
[التوبة: 34] اه.
أي أن هذه الأمثلة كلها يذكر فيها أمران، ويعود الضمير على واحد منهما.
وبناء على جواب الشيخ رحمة الله تعالى عليه، يمكن القول بأن عود الضمير على أحد المذكورين، إما لتساويهما في الماصدق، وإما لمعنى زائد فيما عاد عليه الضمير.
فمن المتساويين قوله تعالى: ﴿ ومن يكسب خطيئة أو إثما ﴾ لتساويهما في النهي والعصيان، ومما له معنى زائد قوله تعالى: ﴿ واستعينوا بالصبر والصلاة ﴾ وإنها أي الصلاة، لأنها أخص من عموم الصبر، ووجود الأخص يقتضي وجود الأعم دون العكس، ولأن الصلاة وسيلة للصبر، كما في الحديث:
" كان صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمرهم فزع إلى الصلاة "
وكذلك قوله تعالى: ﴿ والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها ﴾ أي الفضة، لأن كنز الفضة أوفر، وكانزوها أكثر فصورة الكنز حاصلة فيها بصفة أوسع، ولدى كثير من الناس، فكان توجيه الخطاب إليهم أولى، ومن ناحية أخرى لما كانت الفضة من ناحية أخرى لما كانت الفضة من الناحية النقدية أقل قيمة، والذهب أعظم، كان في عود الضمير عليها تنبيه بالأدنى على الأعلى، فكأنه أشمل وأعم، وأشد تخويفا لمن يكنزون الذهب.
أما الآية هنا، فإن التوجيه الذي وجهه الشيخ رحمه الله تعالى عليه، لعود الضمير على التجارة، فإنه في السياق ما يدل عليه، وذلك في قوله تعالى بعدها: ﴿ قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة ﴾ ، فذكر السببين المتقدمين لانفضاضهم عنه صلى الله عليه وسلم، ثم عقبه بقوله تعالى، بالتذييل المشعر بأن التجارة هي الأصل بقوله: ﴿ والله خير الرازقين ﴾ ، والرزق ثمرة التجارة.
فكان هذا بيانا قرآنيا لعود الضمير هنا على التجارة دون اللهو. والعلم عند الله تعالى.
تنبيه
قال أبو حيان عن ابن عطية: تأمل إن قدمت التجارة على اللهو في الرؤية، لأنها أهم وأخرت مع التفضيل لتقع النفس أولا على الأبين اه.
يريد بقوله: في الرؤية، وإذا رأوا. وبقوله: مع التفضيل ﴿ قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة ﴾ أي لأن اللهو أبين في الظهور، والذي يظهر والعلم عند الله تعالى: أنه عند التفضيل ذكر اللهو للواقع فقط، لأن اللهو لا خير فيه مطلقا فليس محلا للمفاضلة، وأخر ذكر التجارة لتكون أقرب لذكر الرزق لارتباطهما معا، فلو قدمت التجارة هنا أيضا لكان ذكر اللهو فاصلا بينهم وبين قوله تعالى: ﴿ والله خير الرازقين ﴾ ، وهو لا يتناسق مع حقيقة المفاضلة.