وهذا أعدل الأقوال.
وكلام أحمد يدل عليه، وحينئذ فقد يكون تركها أفضل إذا كان الجهال يعتقدون أن هذه سنة راتبة أو واجبة، لا سيما إذا داوم الناس عليها، فينبغي تركها أحيانا، كما ينبغي ترك قراءة السجدة يوم الجمعة أحيانا.
ثم قال: وإذا كان رجل مع قوم يصلونها، فإن كان مطاعا إذا تركها وبين لهم السنة لم ينكروا عليه، بل عرفوا السنة فتركها حسن، وإن لم يكن مطاعا ورأى في صلاتها تأليفا لقلوبهم إلى ما هو أنفع، أو دفعا للخصام والشر لعدم التمكن من بيان الحق لهم، وقولهم له ونحو ذلك. فهذا أيضا حسن.
فالعمل الواحد يكون مستحبا فعله تارة، وتركه تارة، باعتبار ما يترجح من مصلحة فعله وتركه بحسب الأدلة الشرعية.
كما ترك النبي صلى الله عليه وسلم بناء البيت على قواعد إبراهيم إلى آخره. اه ملخصا.
فأنت تراه رحمه الله قد بين أولا أنها ليست من فعله صلى الله عليه وسلم، لعدم وجود مكان لها في عهده، ولا في عهد صاحبيه من بعده، وأن فعلها بعد حديث عثمان رضي الله عنه يرجع إلى حال الشخص، فإن كان عاميا التمس له مخرج من حديث:
" بين كل أذانين صلاة "
لا على أنها سنة راتبة.
أما العالم الذي يقتدى به فإن كان مطاعا فتركها أحسن.
وتعليم الناس متعين، وإن كان غير مطاع ويرجو نفعهم أو يخشى خصومة عليهم تضيع عليهم منفعتهم منه، ففعلها تأليفا لقلوبهم، فهذا حسن. اه ملخصا.
وهذا منه رحمه الله من أدق مسالك سياسة الدعوة إلى الله، حيث ينبغي للداعي أن يراعي حالة العامة، وأن يكون بفعله مؤثرا كتأثيره بقوله مع مراعاة الأحوال ما هو أصلح لهم فيما فيه سعة من الأمر، كما بين أنها ليست بسنة راتبة.
وقد ساق ضمنا كلام العلماء في حكم الصلاة قبل الجمعة مطلقا، أي عند المجيء وقبل الأذان، وهذا كله ما عدا الداخل للمسجد وقت الخطبة فيما يتعلق بتحية المسجد.
وقال النووي في المجموع بعد مناقشة كلام المذهب. قال:
وأما السنة قبلها فالعمدة فيها حديث عبد الله بن معقل المذكور.
" بين كل أذانين صلاة "
، والقياس على الظهر قال: وذكر أبو عيسى الترمذي أن عبد الله بن مسعود كان يصلي قبل الجمعة أربعا، وإليه ذهب سفيان الثوري وابن المبارك، وهذا منهم على أنها راتبة الظهر انتقلت إلى الجمعة، ولا علاقة لها بالأذان، بل من حين مجيئه إلى المسجد.
قوله تعالى: ﴿ من يوم الجمعة ﴾.
قال الزمخشري ونقله عنه أبو حيان من في قوله ﴿ من يوم الجمعة ﴾ بيان لإذا وتفسير له اه.
يعني: إذا نودي فهي بيان لإذا الظرفية وتفسير لها.
والجمعة: بضم الجيم والميم قراءة الجمهور. وبضم الجيم وتسكين الميم قراءة عبد الله بن الزبير والأعمش وغيرهما، وهما لغتان وجمعهما جمع وجمعات.
قال الفراء: يقال الجمعة بإسكان الميم، والجمعة بضمها والجمعة بفتح الميم، فتكون صفة لليوم أي يجمع الناس.
وقال ابن عباس: نزل القرآن بالتثقيل والتفخيم فاقرؤها جمعة، يعني بضم الميم.
وقال الفراء وأبو عبيد: والتخفيف أقيس وأحسن، مثل غرفة وغرف وطرفة وطرف وحجرة وحجر، وفتح الميم لغة بني عقيل. وقيل: إنها لغة النبي صلى الله عليه وسلم. حكاه القرطبي وغيره.
وقال الزمخشري: قرئ بهن جميعا. وقال غيره: والأول أصح لقول ابن عباس رضي الله عنهما.
وذكر في سبب تسمية هذا اليوم عدة أسباب لا تناقض بين شيء منها.
من ذلك ما قاله ابن كثير رحمه الله: إنها مشتقة من الجمع، وأهل الإسلام يجتمعون فيه في كل أسبوع.
ومنها: أنه تم فيه خلق جميع الخلائق، فإنه اليوم السادس من الستة التي خلق الله فيها السماوات والأرض، وفيه خلق آدم يعني جمع خلقه، وفيه الحديث عن سلمان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له:
" يا سلمان، ما يوم الجمعة "؟ قلت: الله ورسوله أعلم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يوم الجمعة يوم جمع الله فيه أبواكم أو أبوكم "