[الزمر: 56-59] وهذا كثير في القرآن.
الخامسة: قال ابن القيم: اختلف في قوله تعالى: ﴿ ونحشره يوم القيامة أعمى * قال رب لم حشرتني أعمى ﴾ هل هو من عمى البصيرة أو من عمى البصر؟ والذين قالوا هو من عمى البصيرة، إنما حملهم على ذلك قوله تعالى:
أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا
[مريم: 38] وقوله
لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطآءك فبصرك اليوم حديد
[ق: 22] وقوله:
يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين
[الفرقان: 22] وقوله:
لترون الجحيم * ثم لترونها عين اليقين
[التكاثر: 6-7] ونظائر هذا مما يثبت لهم الرؤية في الآخرة لقوله:
وتراهم يعرضون عليها خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفي
[الشورى: 45] وقوله:
يوم يدعون إلى نار جهنم دعا * هذه النار التي كنتم بها تكذبون * أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون
[الطور: 13-15] وقوله:
ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها
[الكهف: 53] والذين رجحوا أنه من عمى البصر، قالوا: السياق يدل عليه لقوله: ﴿ قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا ﴾ وهو لم يكن بصيرا في كفره قط، بل قد تبين له حينئذ أنه كان في الدنيا في عمى عن الحق. فكيف يقول: ﴿ وقد كنت بصيرا ﴾ وكيف يجاب بقوله: ﴿ كذلك أتتك آياتنا فنسيتها ﴾؟ بل هذا الجواب فيه تنبيه على أنه من عمي البصر وأنه جوزي من جنس عمله. فإنه لما أعرض عن الذكر الذي بعث الله به رسوله وعميت عنه بصيرته، أعمى الله به بصره يوم القيامة، وتركه في العذاب كما ترك الذكر في الدنيا، فجازاه على عمى بصيرته عمى بصره في الآخرة. وعلى تركه ذكره، تركه في العذاب. وقال تعالى:
ومن يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد لهم أوليآء من دونه ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما
[الإسراء: 97] وقد قيل في هذه الآية أيضا: إنهم عمي وبكم وصم عن الهدى. كما قيل في هذه الآية قوله: ﴿ ونحشره يوم القيامة أعمى ﴾ [طه:124] قالوا لأنهم يتكلمون يومئذ ويسمعون ويبصرون.
ومن نصر أنه العمى والبكم والصمم، المضاد للبصر والسمع والنطق، قال: هو عمي وصمم وبكم مقيد لا مطلق. فهو عمي عن رؤية ما يسرهم وسماعه. وهذا قد روي عن ابن عباس قال: لا يرون شيئا يسرهم. وقال آخرون: هذا الحشر حين تتوفاهم الملائكة، يخرجون من الدنيا كذلك. فإذا قاموا من قبورهم إلى الموقف قاموا كذلك. ثم إنهم يسمعون ويبصرون فيما بعد. وهذا مروي عن الحسن.
وقال آخرون: هذا إنما يكون إذا دخلوا النار واستقروا فيها. سلبوا الأسماع والأبصار والنطق، حين يقول لهم الرب تبارك وتعالى:
قال اخسئوا فيها ولا تكلمون
[المؤمنون: 108] فحينئذ ينقطع الرجاء وتبكم عقولهم فيبصرون بأجمعهم، عميا بكما صما، لا يبصرون ولا يسمعون ولا ينطقون. ولا يسمع فيها بعدها إلا الزفير والشهيق. وهذا منقول عن مقاتل.
والذين قالوا: المراد به العمي عن الحجة، إنما مرادهم أنهم لا حجة لهم، ولم يريدوا أن لهم حجة، هم عمي عنها، بل هم عمي عن الهدى كما كانوا في الدنيا.
فإن العبد يموت على ما عاش عليه. ويبعث على ما مات عليه. وبهذا يظهر أن الصواب هو القول الآخر، وأنه عمي البصر. وأن الكافر يعلم الحق يوم القيامة عيانا، ويقر بما كان يجحد في الدنيا. فليس هو أعمى عن الحق يومئذ.
وفصل الخطاب؛ أن الحشر هو الضم والجمع. ويراد به تارة الحشر إلى موقف القيامة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم:
" إنكم محشورون إلي حفاة عراة "
وكقوله تعالى:
وإذا الوحوش حشرت
[التكوير: 5] وكقوله تعالى:
وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا
[الكهف: 47] ويراد به الضم والجمع إلى دار المستقر. فحشر المتقين جمعهم وضمهم إلى الجنة. وحشر الكافرين جمعهم وضمهم إلى النار؛ لأنه قد أخبر عنهم أنهم قالوا:
يويلنا هذا يوم الدين * هذا يوم الفصل الذي كنتم به تكذبون