20.41-42
﴿ واصطنعتك لنفسي ﴾ تذكير لقوله تعالى:
وأنا اخترتك
[طه: 13] وتمهيد لإرساله عليه السلام إلى فرعون مؤيدا بأخيه و(الاصطناع) افتعال من (الصنع) بمعنى: الصنيعة. يقال: اصطنع الأمير فلانا لنفسه، أي: جعله محلا لإكرامه باختيارخ وتقريبه منه، بجعله من خواص نفسه وندمائه، فاستعير استعارة تمثيلية من ذلك المعنى المشبه به إلى المشبه. وهو جعله نبيا مكرما كليما منعما عليه بجلائل النعم. قال أبو السعود: والعدول عن نون العظمة الواقعة في قوله تعالى: ﴿ وفتناك ﴾ ونظيريه السابقين، تمهيد لإفراد لفظ (النفس) اللائق بالمقام، فإنه أدخل في تحقيق معنى (الاصطناع) و(الاستخلاص). ثم بين ما هو المقصود ب (الاصطناع) بقوله سبحانه: ﴿ اذهب أنت وأخوك بآياتي ﴾ أي: بمعجزاتي. كالعصا وبياض اليد وحل العقدة، مع ما استظهره على يده: ﴿ ولا تنيا في ذكري ﴾ أي: لا تفترا ولا تقصرا في ذكري بما يليق بي من النعوت الجليلة، عند تبليغ رسالتي والدعاء إلي.
20.43-44
﴿ اذهبآ إلى فرعون إنه طغى * فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى ﴾ أي: عقابي. فإن تليين القول مما يكسر سورة عناد العتاة، ويلين عريكة الطغاة. وقد بين ذلك في قوله تعالى:
فقل هل لك إلى أن تزكى * وأهديك إلى ربك فتخشى
[النازعات: 18-19] وبمثل ذلك أمر نبينا صلوات الله عليه في قوله:
ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجدلهم بالتي هي أحسن
[النحل: 125] وظاهر أن الرجاء في ﴿ لعله ﴾ إنما هو منهما، لا من الله. فإنه لا يصح منه. ولذا قال القاضي: أي: باشرا الأمر على رجائكما وطمعكما أنه يثمر ولا نخيب سعيكما. فإن الراجي مجتهد، والآيس متكلف. والفائدة في إرسالها والمبالغة عليهما في الاجتهاد - مع علمه بأنه لا يؤمن - إلزام الحجة، وقطع المعذرة، وإظهار ما حدث في تضاعيف ذلك من الآيات.