20.124-127
﴿ ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى * قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا * قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى * وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد وأبقى ﴾ اعلم أنه لما أخبر سبحانه عن حال من اتبع هداه في معاشه ومعاده، أخبر عن حال من أعرض عنه ولم يتبعه، من شقائه في الدنيا والآخرة. وهذا الشقاء بقسميه هو نوع من أفانين العذاب اللاحقة لمن تولى عن هدي الله الذي بعث به خاتم أنبيائه، ولم يقبله ولم يستجب له، ولم يتعظ به فينزجر عما هو عليه مقيم من خلافه أمر ربه.
وفي الآية.
مسائل
الأولى: قال الرازي في قوله تعالى: ﴿ عن ذكري ﴾: الذكر يقع على القرآن وعلى سائر كتب الله تعالى. ويحتمل أن يراد به الأدلة. وقال ابن القيم في (مفتاح دار السعادة): أي: عن الذكر الذي أنزلته. و(الذكر) هنا مصدر مضاف إلى الفاعل. ك (قيامي وقراءتي) لا إلى المفعول. وليس المعنى: ومن أعرض عن أن يذكرني. بل هذا لازم المعنى ومقتضاه من وجه آخر. وأحسن من هذا الوجه أن يقال: الذكر هنا مضاف إضافة الأسماء، لا إضافة المصادر إلى معمولاتها. والمعنى: ومن أعرض عن كتابي ولم يتبعه، فإن القرآن يسمى ذكرا. قال تعالى:
وهذا ذكر مبارك أنزلناه
[الأنبياء: 50] وقال تعالى:
ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم
[آل عمران: 58] وقال تعالى:
وما هو إلا ذكر للعالمين
[القلم: 52] وقال تعالى:
إن الذين كفروا بالذكر لما جآءهم
[فصلت: 41] وقال تعالى:
إنما تنذر من اتبع الذكر
[يس: 11]، وعلى هذا فإضافته كإضافة الأسماء الجوامد التي لا يقصد بها إضافة العامل إلى معموله. ونظيره في إضافة اسم الفاعل
غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب
[غافر: 3] فإن هذه الإضافات لم يقصد بها قصد الفعل المتجدد، وإنما قصد الوصف الثابت اللازم. ولذلك جرت أوصافا على أعرف المعارف، وهو اسم الله تعالى في قوله تعالى:
تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم * غافر الذنب
[غافر: 2-3].
الثانية: قرئ ﴿ ضنكا ﴾ بالتنوين على أنه مصدر وصف به، ولذا لم يؤنث لاستوائه في القبيلين. كما قال ابن مالك:
ونعتوا بمصدر كثيرا
فالتزموا الإفراد والتذكيرا
وفي القاموس: الضنك: الضيق في كل شيء، للذكر والأنثى. يقال: ضنك ككرم، ضنكا وضناكة وضنوكة، ضاق. وقال السمين: ﴿ ضنكا ﴾: صفة معيشة. وأصله المصدر فلذلك لم يؤنث. ويقع للمفرد والمثنى والمجموع بلفظ واحد. وقرأ الجمهور ﴿ ضنكا ﴾ بالتنوين وصلا، وإبداله ألفا وقفا، كسائر المعربات. وقرأت فرقة (ضنكي) بألف كسكري. وفي هذه الألف احتمالان: فإما أن تكون بدلا من التنوين، وإنما أجرى الوصل مجرى الوقف، وإما أن تكون ألف التأنيث بنى المصدر على (فعلى) نحو دعوى.
الثالثة: ذكروا في هذه المعيشة الضنك التي للكافر أقوالا: إنها في الدنيا أو في القبر أو في الآخرة أو في الدين. والأظهر الأول لمقابلته بالوعيد الأخروي. قال ابن كثير: أي: ضنكا في الدنيا، فلا طمأنينة له ولا انشراح لصدره. بل صدره ضيق حرج لضلاله، وإن تنعم ظاهره، ولبس ما شاء، وأكل ما شاء. وسكن حيث شاء. فإن قلبه ما لم يخلص إلى اليقين والهدى، فهو في قلق وحيرة وشك. فلا يزال في ريبه يتردد. فهذا من ضنك المعيشة. انتهى.
وذلك لأن الاعتقاد بالدين الحق واليقين الصحيح لراحة الضمائر والأنفس، فوق كل الأهواء والذات والمآرب. فالضنك المعني بها إذن: هو الضنك الحيوي والقلق الدنيوي، من اضطراب القلب وعدم سكون النفس إلى الاعتقاد الحق والإيمان بالدين القيم الذي هو دين الإسلام. فكل من لم يؤمن به فهو في ضيق صدر وهموم ومحابس، لا يجد منها مخارج إلا به ولا يرتاب في ذلك إلا من كابر حسه وناقض وجدانه. فإن دين الإسلام هو دين الفطرة. دين اليسر. دين العقل. دين النور الذي تنشرح به الصدور وتطمئن به القلوب وتشفى به الأنفس من أدوائها، وتهتدي به من ضلالها وحيرتها، وتستنير به من ظلماتها.