وقالت فرقة أخرى: معنى كونه على صراط مستقيم أن مرد العباد والأمور كلها إلى الله لا يفوته شيء منها. وهؤلاء إن أرادوا أن هذا معنى الآية فليس كذلك. وإن أرادوا أن هذا من لوازم كونه على صراط مستقيم ومن مقتضاه وموجبه، فهو حق.
وقالت فرقة أخرى: معناه كل شيء تحت قدرته وقهره في ملكه وقبضته. وهذا وإن كان حقا فليس هو معنى الآية. وقد فرق شعيب بين قوله:
ما من دآبة إلا هو آخذ بناصيتهآ
[هود: 56]، وبين قوله:
إن ربي على صراط مستقيم
[هود: 56]. فهما معنيان مستقلان.
فالقول قول مجاهد، وهو قول أئمة التفسير. ولا تحتمل العربية غيره إلا على استكراه وقال جرير يمدح عمر بن عبد العزيز:
أمير المؤمنين على صراط
إذا اعوج الموارد مستقيم
وقد قال تعالى:
من يشإ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم
[الأنعام: 39]. وإذا كان سبحانه هو الذي جعل رسله وأتباعهم على الصراط المستقيم في أقوالهم وأفعالهم، فهو سبحانه أحق بأن يكون على صراط مستقيم في قوله وفعله. وإن كان صراط الرسل وأتباعهم هو موافقة أمره، فصراطه الذي هو سبحانه عليه، هو ما يقتضيه حمده وكماله ومجده من قوله الحق وفعله، وبالله التوفيق.
وفي الآية قول ثان مثل الآية الأولى سواء: إنه مثل ضربه الله للمؤمن والكافر. وقد تقدم ما في هذا القول وبالله التوفيق. انتهى بحروفه.