تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

16.41

﴿ والذين هاجروا في الله ﴾ أي: مخلصين لوجهه، أو في حقه، وهم إما مهاجرة الحبشة الذين اشتد أذى قومهم لهم بمكة، حتى خرجوا من بين أظهرهم إلى بلاد الحبش بأمره صلى الله عليه وسلم، وذلك مخافة الفتنة وفرارا إليه تعالى بدينهم، وكانوا ثلاثة وثمانين رجلا سوى صغار أبنائهم، وهي أول هجرة في الإسلام. ويؤيده كون السورة مكية.

أو هم مهاجرة المدينة، أخبر به قبل وقوعه أو بعده، إلا أنها ألحقت بالمكية. وقوله تعالى: ﴿ من بعد ما ظلموا ﴾ أي: أوذوا وأريد فتنتهم عن الدين ﴿ لنبوئنهم في الدنيا حسنة ﴾ يعني بالغلبة على من ظلمهم، وإيراثهم أرضهم وديارهم ﴿ ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون ﴾ يعني مضطهديهم وظالميهم. وقد روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، كان إذا أعطى الرجل من المهاجرين عطاءه، يقول: خذ بارك الله لك فيه. هذا ما وعدك الله في الدنيا، وما ادخر لك في الآخرة أفضل. ثم وصفهم تعالى بقوله:

﴿ الذين صبروا... ﴾.

16.42-44

﴿ الذين صبروا ﴾ أي: على ما أوذوا في سبيل الله ﴿ وعلى ربهم يتوكلون ﴾ أي: فلا يخشون أحدا غيره. والوصفان المذكوران: الصبر والتوكل، من أمهات الصفات التي يجب على الداعي إلى الحق، والمدافع عنه، أن يكونا خلقا له. إذ لا ظفر بغاية إلا بهما. ولما عجبوا من إيحاء الله لرسوله، واصطفائه برسالته، قيل في درء شبهتهم: ﴿ ومآ أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ﴾ يعني: أهل الكتاب أو علماء الأخبار. ليعلموكم أنه لم يرسل للدعوة العامة ملك من أهل السماء. فالذكر، إما بمعنى الكتاب لما فيه من الذكر والعظة، كقوله:

إن هو إلا ذكر

[يس: 69] أو بمعنى الحفظ لأخبار الأمم السالفة. وفي الآية دليل على وجوب الرجوع إلى العلماء فيما لا يعلم. واستدل بها بعضهم على جواز التقليد في الفروع للعامي. وفي ذلك بحث طويل في (إيقاظ الهمم) للفلاني فارجع إليه إن شئت. وأشار إلى طرف منه في (فتح البيان).

وقوله تعالى: ﴿ بالبينات والزبر ﴾ أي: بالآيات المبرهنة على صدقهم والكتب المرشدة إلى مصالح الخلق. والجار متعلق بمقدر يدل عليه ما قبله، أي: أرسلناهم. أو ب ﴿ مآ أرسلنا ﴾. أو ب ﴿ نوحي ﴾ أو ب ﴿ لا تعلمون ﴾ ، على أن الشرط للتبكيت والإلزام ﴿ وأنزلنا إليك الذكر ﴾ أي: القرآن المذكر والموقظ من سنة الغفلة ﴿ لتبين للناس ما نزل إليهم ﴾ أي: مما أمروا ونهوا ووعدوا وأوعدوا ﴿ ولعلهم يتفكرون ﴾ أي: ينظرون لأنفسهم فيهتدون فيفوزون بالنجاة في الدارين. أو يتأملون ما فيه من العبر فيحترزون عما أصاب الأولين. ولذا تأثره بقوله:

﴿ أفأمن الذين مكروا السيئات... ﴾.

محاسن التأويل · الصفحة ١٧٥٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ١٧٥٦