تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا من السموت والأرض شيئا ولا يستطيعون * فلا تضربوا لله الأمثال إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون

[النحل: 73-74] ثم قال: ﴿ وضرب الله مثلا رجلين أحدهمآ أبكم لا يقدر على شيء ﴾ ومن لوازم هذا المثل وأحكامه أن يكون المؤمن الموحد كمن رزقه منه رزقا حسنا. والكافر المشرك كالعبد المملوك الذي لا يقدر على شيء. فهذا مما نبه عليه المثل وأرشد إليه. فذكره ابن عباس منبها على إرادته. لا أن الآية اختصت به. فتأمله فإنك تجده كثيرا في كلام ابن عباس وغيره من السلف في فهم القرآن. فيظن الظان أن ذلك هو معنى الآية التي لا معنى لها غيره، فيحكيه قوله.

وأما المثل الثاني: فهو مثل ضربه الله سبحانه وتعالى لنفسه ولما يعبدون من دونه أيضا. فالصنم الذي يعبد من دونه بمنزلة رجل أبكم لا يعقل ولا ينطق. بل هو أبكم القلب واللسان. قد عدم النطق القلبي واللساني، مع هذا فهو عاجز لا يقدر على شيء البتة. وعلى هذا فأينما أرسلته لا يأتيك بخير. ولا يقضي لك حاجة. والله سبحانه حي قادر متكلم يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم. وهذا وصف له بغاية الكمال والحمد. فإن أمره بالعدل، وهو الحق يتضمن أنه سبحانه عالم به معلم له، راض به آمر لعباده به، محب لأهله لا يأمر بسواه، بل تنزه عن ضده الذي هو الجور والظلم والسفه والباطل. بل أمره وشرعه عدل كله. وأهل العدل هم أولياءه وأحباؤه. وهم المجاورون له عند يمينه، على منابر من نور. وأمره بالعدل يتناول الأمر الشرعي الديني، والأمر القدري الكوني. وكلاهما عدل لا جور فيه بوجه. كما في الحديث الصحيح:

" اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك ناصيتي بيدك ماض في حكمك عدل في قضاؤك "

فقضاؤه هو أمره الكوني

إنمآ أمره إذآ أراد شيئا أن يقول له كن فيكون

[يس: 82] فلا يأمر إلا بحق وعدل. وقضاؤه وقدره القائم به حق وعدل. وإن كان في المقضي المقدر ما هو جور وظلم. فالقضاء غير المقضي، والقدر غير المقدر. ثم أخبر سبحانه أنه على صراط مستقيم وهذا نظير قول رسوله شعيب:

إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دآبة إلا هو آخذ بناصيتهآ إن ربي على صراط مستقيم

[هود: 56] وقوله: ﴿ ما من دآبة إلا هو آخذ بناصيتهآ ﴾ نظير قوله (ناصيتي بيدك) وقوله: ﴿ إن ربي على صراط مستقيم ﴾ نظير قوله: " عدل في قضاؤك ". فالأول ملكه. والثاني حمده. وهو سبحانه له الملك وله الحمد. وكونه سبحانه على صراط مستقيم يقتضي أنه لا يقول إلا الحق ولا يأمر إلا بالعدل ولا يفعل إلا ما هو مصلحة ورحمة وحكمة وعدل. فهو على الحق في أقواله وأفعاله. فلا يقضي على العبد بما يكون ظالما به ولا يؤخذ بغير ذنبه. ولا ينقصه من حسناته شيئا. ولا يحمل عليه من سيئات غيره التي لم يعملها ولم يتسبب إليها شيئا. ولا يؤاخذ أحدا بذنب غيره، ولا يفعل قط ما لا يحمد عليه ويثنى به عليه ويكون له فيه العواقب الحميدة والغايات المطلوبة. فإن كونه على صراط مستقيم يأبى ذلك كله.

قال محمد بن جرير الطبري: وقوله: ﴿ إن ربي على صراط مستقيم ﴾ يقول: إن ربي على طريق الحق يجازي المحسن من خلقه بإحسانه والمسيء بإساءته. لا يظلم أحدا منهم ولا يقبل منهم إلا الإسلام له والإيمان به.

ثم حكى عن مجاهد من طريق شبل بن أبي نجيح عنه ﴿ إن ربي على صراط مستقيم ﴾ قال: الحق. وكذلك رواه ابن جريج عنه.

وقالت فرقة: هي مثل قوله:

إن ربك لبالمرصاد

[الفجر: 14] وهذا اختلاف عبارة. فإن كونه بالمرصاد هو مجازاة المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته.

وقالت فرقة: في الكلام حذف تقديره: إن ربي يحثكم على صراط مستقيم ويحضكم عليه. وهؤلاء إن أرادوا أن هذا معنى الآية التي أريد بها، فليس كما زعموا ولا دليل على هذا المقدر. وقد فرق سبحانه بين كونه آمرا بالعدل وبين كونه على صراط مستقيم. وإن أرادوا أن حثه على الصراط المستقيم من جملة كونه على صراط مستقيم، فقد أصابوا.

محاسن التأويل · الصفحة ١٧٧١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ١٧٧١