تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

16.85-86

﴿ وإذا رأى الذين ظلموا العذاب فلا يخفف عنهم ولا هم ينظرون ﴾ أي: يؤخرون ﴿ وإذا رأى الذين أشركوا شركآءهم ﴾ يعني أوثانهم التي عبدوها ﴿ قالوا ربنا هؤلآء شركآؤنا الذين كنا ندعوا من دونك ﴾ أي: أربابا أو نعبدها ﴿ فألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون ﴾ أي: أجابوهم بالتكذيب في تسميتهم شركاء وآلهة، تنزيها لله عن الشرك. أو بالتكذيب في دعواهم أنهم حملوهم على عبادتهم.

قال أبو مسلم الأصفهاني: مقصود المشركين إحالة هذا الذنب على هذه الأصنام. وظنوا أن ذلك ينجيهم من عذاب الله تعالى أو ينقص من عذابهم. فعند هذا تكذبهم بتلك الأصنام. وهذه الآية كقوله تعالى:

ومن أضل ممن يدعوا من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعآئهم غافلون * وإذا حشر الناس كانوا لهم أعدآء وكانوا بعبادتهم كافرين

[الأحقاف: 5-6] وقال تعالى:

واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا * كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا

[مريم: 81-82].

16.87

﴿ وألقوا ﴾ أي: وألقى الذين ظلموا ﴿ إلى الله يومئذ السلم ﴾ أي: الاستسلام لحكمه بعد إبائهم في الدنيا ﴿ وضل عنهم ما كانوا يفترون ﴾.

أي من أن لله شركاء، وأنهم يشفعون لهم عند الله تعالى. فإن قيل: قد جاء إنكارهم كقوله تعالى:

يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم

[المجادلة: 18] والجواب (كما قال القاشاني): إن ذلك بحسب المواقف. فالإنكار في الموقف الأول وقت قوة هيئات الرذائل وشدة شكيمة النفس في الشيطنة وغاية البعد عن النور الإلهي، للاحتجاب بالحجب الغليظة والغواشي المظلمة حتى لا يعلم أنه كان يراه ويطلع عليه. ونهاية تكدر نور الفطرة حتى يمكنه إظهار خلاف مقتضاه، والاستسلام في الموقف الثاني بعد مرور أحقاب كثيرة من ساعات اليوم، الذي كان مقداره خمسين ألف سنة، حين زالت الهيئات ورقت، وضعفت شراشر النفس في رذائلها، وقرب من عالم النور، لرقة الحجب ولمعان نور فطرته الأولى، فيعترف وينقاد. هذا إذا كان الاستسلام والإنكار لنفوس بعينها. وقد يكون الاستسلام للبعض الذين لم ترسخ هيئات رذائلهم ولم تغلظ حجبهم ولم ينطفيء نور استعدادهم. والإنكار لمن رسخت فيه الهيئات وقويت وغلبت عليه الشيطنة واستقرت، وكثف الحجاب وبطل الاستعداد، والله أعلم.

محاسن التأويل · الصفحة ١٧٧٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ١٧٧٦