تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

16.37-38

﴿ إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل ﴾ أي: من يخلق فيه الضلالة بسوء اختياره ﴿ وما لهم من ناصرين ﴾ أي: ينصرونهم في الهداية، أو يدفعون العذاب عنهم. ثم بين تعالى نوعا آخر من أباطيلهم. وهو إنكارهم البعث بقوله: ﴿ وأقسموا بالله جهد أيمانهم ﴾ أي: جاهدين فيها ف (جهد) مصدر في موقع الحال ﴿ لا يبعث الله من يموت بلى وعدا عليه حقا ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ أي: إنه يبعثهم، فيبتون القول بعدمه! وإنه وعدا عليه حق، فيكذبونه - وذلك لجهلهم بشؤون الله عز شأنه من العلم والقدرة والحكمة وغيرها من صفات الكمال، وبما يجوز عليه وما لا يجوز. وعدم وقوفهم على سر التكوين والغاية القصوى منه. وعلى أن البعث مما تقتضيه الحكمة. أفاده أبو السعود.

ثم ذكر حكمته تعالى في المعاد، وحشر الأجساد يوم التناد، بقوله سبحانه:

﴿ ليبين لهم الذي يختلفون... ﴾.

16.39-40

﴿ ليبين لهم الذي يختلفون فيه ﴾ وهو الحق، وأنهم كانوا على الضلالة قبله ﴿ وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين ﴾ أي: في أباطيلهم. لا سيما في إيمانهم بعدم البعث؛ ولذا تقول لهم الزبانية يوم القيامة:

هذه النار التي كنتم بها تكذبون

[الطور: 14] ثم بين عظيم قدرته، وأنه لا يعجزه شيء ما بقوله سبحانه ﴿ إنما قولنا لشيء إذآ أردناه أن نقول له كن فيكون ﴾ أي: فيوجد على ما شاء تكوينه كقوله تعالى:

ومآ أمرنآ إلا واحدة كلمح بالبصر

[القمر: 50] وقوله:

ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة

[لقمان: 28].

قال الزمخشري: ﴿ قولنا ﴾ مبتدأ و ﴿ أن نقول ﴾ خبره و ﴿ كن فيكون ﴾ من (كان) التامة التي بمعنى الحدوث والوجود. أي: إذا أردنا وجود شيء فليس إلا أن نقول له: احدث، فهو يحدث عقيب ذلك، لا يتوقف. وهذا مثل؛ لأن مرادا لا يمتنع عليه. وأن وجوده عند إرادته تعالى غير متوقف، كوجود المأمور به عند أمر الآمر المطاع إذا ورد على المأمور المطيع الممتثل. ولا قول ثم. والمعنى: إن إيجاد كل مقدور على الله تعالى بهذه السهولة. فكيف يمتنع عليه البعث الذي هو في شق المقدورات. انتهى.

قال الشهاب: فسقط ما قيل: إن ﴿ كن ﴾ إن كان خطابا مع المعدوم فهو محال. وإن كان مع الموجود كان إيجادا للموجود. وفي الآية كلام لطيف مضى في سورة البقرة. فارجع إليه.

ثم أخبر تعالى عن جزائه للمهاجرين الذين فارقوا الدار والأهل والخلان، رجاء ثوابه وابتغاء مرضاته، بقوله:

﴿ والذين هاجروا في الله... ﴾.

محاسن التأويل · الصفحة ١٧٥٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ١٧٥٥