16.49
﴿ ولله يسجد ما في السموت وما في الأرض من دآبة والملائكة وهم ﴾ أي: الملائكة، مع علو شأنهم ﴿ وهم لا يستكبرون ﴾ أي: عن عبادته والسجود له.
16.50
﴿ يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون ﴾ أي: من الطاعات والتدبير. واستدل بقوله: ﴿ من فوقهم ﴾ على ثبوت الفوقية والعلو، له تعالى. وقد صنف في ذلك الحافظ الذهبي كتاب (العلو) وابن القيم كتاب (الجيوش الإسلامية) وغيرهما. وأطنب فيها الحكيم ابن رشد في (مناهج الدولة) فليرجع إليها. وكلهم متفقون على أنه علو بلا تشبيه ولا تمثيل. وانفرد السلف بخطر التأويل والتعطيل.
16.51
﴿ وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد فإياي فارهبون ﴾. إعلام بنهيه الصريح عن الإشراك. وبأمره بعبادته وحده، وإنما خصص هذا العدد لأنه الأقل، فيعلم انتفاء ما فوقه بالدلالة. فإن قيل: الواحد والمثنى نص في معناهما، لا يحتاج معهما إلى ذكر العدد، كما يذكر مع الجميع. أي: في نحو رجال ثلاثة وأفراس أربعة؛ لأن المعدود عار عن الدلالة على العدد الخاص، فلم ذكر العدد فيهما؟ أجيب: بأن العدد يدل على أمرين: الجنسية والعدد المخصوص. فلما أريد الثاني صرح به للدلالة على أنه المقصود الذي سيق الكلام وتوجه له النهي دون غيره. فإنه قد يراد بالمفرد الجنس نحو: نعم الرجل زيد. وكذا المثنى كقوله:
فإن النار بالعودين تذكى
وإن الحرب أولها الكلام
وقيل: ذكر العدد للإيمان بأن الاثنينية تنافي الألوهية. فهو في معنى قوله:
لو كان فيهمآ آلهة إلا الله لفسدتا
[الأنبياء: 22] فلذا صرح بها، وعقبت بذكر الوحدة التي هي من لوازم الألوهية.
قال الشهاب: ولا حاجة إلى جعل الضمير للمعبود بحق المراد من الجلالة على طريق الاستخدام.
وقوله تعالى: ﴿ وقال الله ﴾ معطوف على قوله:
ولله يسجد
[النحل: 149] أو على قوله:
وأنزلنا إليك الذكر
[النحل: 44] وقيل: إنه معطوف على
ما خلق الله
[النحل: 48] على أسلوب
*علفتها تبنا وماء باردا*
أي:
أولم يروا إلى ما خلق الله
[النحل: 48] ولم يسمعوا ما قال الله؟. ولا يخفي تكلفه.
وفي قوله: ﴿ فإياي فارهبون ﴾ التفات عن الغيبة، مبالغة في الترهيب. فإن تخويف الحاضر مواجهة، أبلغ من ترهيب الغائب، لاسيما بعد وصفه بالوحدة والألوهية المقتضية للعظمة والقدرة التامة على الانتقام.