قال ابن العربي: كره مالك وقوم أن يقول المفتي: هذا حلال وهذا حرام في المسائل الاجتهادية. وإنما يقال ذلك فيما نص الله عليه. ويقال في المسائل الاجتهادية: إني أكره كذا وكذا، ونحو ذلك.
ولما ذكر تعالى ما حرمه علينا من الميتة والدم... إلخ، بين ما كان حرمه على اليهود في شريعتهم مما ليس فيه أيضا شيء مما حرمه المشركون، تحقيقا لافترائهم بأن ما حظروه لا سند له في شريعة سابقة ولا لاحقة، فقال سبحانه:
﴿ وعلى الذين هادوا... ﴾.
16.118-119
﴿ وعلى الذين هادوا ﴾ يعني اليهود ﴿ حرمنا ما قصصنا عليك من قبل ﴾ أي: في سورة الأنعام في قوله تعالى:
وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهمآ إلا ما حملت ظهورهما
الآية [الأنعام: 146] ﴿ وما ظلمناهم ﴾ أي: فيما حرمنا عليهم: ﴿ ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ﴾ أي: فاستحقوا ذلك. كقوله:
فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا
[النساء: 160] وقد سلف ما ذكروه في تفسيرها مما يجيء هنا، فتذكر. قالوا: في الآية تنبيه على الفرق بينهم وبين غيرهم في التحريم. فإن هذه الأمة لم يحرم عليها إلا ما فيه مضرة لها وغيرهم قد يحرم عليهم ما لا ضرر فيه، عقوبة لهم بالمنع، كاليهود. ثم بين تعالى عظيم فضله في قبول توبة من تاب من العصاة بقوله: ﴿ ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا ﴾ أي: العمل فيما بينهم وبين ربهم ﴿ إن ربك من بعدها ﴾ أي: التوبة ﴿ لغفور رحيم ﴾. ثم نوه تعالى بإبراهيم عليه الصلاة والسلام، دعاء لهم إلى سلوك طريقته في التوحيد، ورفض الوثنية، وتبرئة لمقامه، مما كانوا يفترون عليه، بقوله سبحانه:
﴿ إن إبراهيم كان أمة... ﴾.