تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم دخل محمد بن سليمان الكاتب يوم الخميس لمستهل ربيع الأول سنة اثنتين وتسعين ومئتين. فأمر بإحراق القطائع فأحرقت. ونهب أحابه الفسطاط يومئذ. فركب محمد بن سليمان، فطافها وأطلق من في السجون، وسكن الناس. ودعا من الغد على المنبر لأمير المؤمنين المكتفي بالله. وصرف موسى ابن طونيق عن الفسطاط يوم الجمعة لليلتين خلتا من ربيع الأول. وجعل محمد ابن سليمان مكانه رجلا من أصحابه يقال له البكتمري. وصرف أبا زرعة محمد بن عثمان القاضي عن قضائه، ورد محمد بن عبدة بن حرب على القضاء. وبعث محمد بن سليمان بطغج بن جف واليا إلى قنسرين، وضم إليه جمعا من جند بني طولون. ثم أمر بإخراج الأعراب الذين قدموا معه. ثم أخرج ولد احمد بن طولون، وهم عشرون إنسانا، وأخرج بدرا الحمامي واليا على دمشق. وأخرج منها قواد بني طولون ومواليهم، وقتا بعد وقت، فلم يبق بمصر منهم أحد يذكر. فخلت منهم الديار، وعفت منهم الآثار، وتعطلت منهم المنازل، وحل بهم الذل بعد العز، والتطريد والتشريد بعد اجتماع الشمل ونضرة الملك ومساعدة الأيام. قال أحمد بن محمد الحبيشي:

الحمد لله إقرارا بما وهبا ... قد لم بالأمن شعب الحق فانشعبا

ألله أصدق هذا الفتح لا كذب ... فسوء عاقبة المثوى لمن كذبا

فتح به فتح الدنيا محمدها ... وفرج الظلم والإظلام والكربا

لا ريب رب هياج يقتضي دعة ... وفي القصاص حياة تذهب الريبا

رمى الإمام به عذراء غادرة ... فافتض عذرتها بالسيف واقتضبا

محمد بن سليمان أعزهم ... نفسا وأكرمهم في الذاهبين أبا

سرى بأسد الشرى لو لم يروا بشرا ... أضحى عرينهم الخطي لا القضبا

حم القضاء على اليحموم حين أتوا ... مثل الدبى يمتحون الدبة الدأبا

إيها علوت على الأيام مرتبة ... أبا علي ترى من دونها الرتبا

هارت بهارون من ذكراك بقعته ... وشيب الرعب شيبانا وقد رغبا

فأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم ... كأنها من زمان غابر ذهبا

وكم ترى تركوا من جنة أنف ... ومن نعيم جنى من غدرهم غضبا

وقال أحمد بن أبي يعقوب:

إن كنت تسأل عن جلالة ملكهم ... فارتع وعج بمراتع الميدان

وانظر إلى تلك القصور وما حوت ... واسرح بزهرة ذلك البستان

وإن اعتبرت ففيه أيضا عبرة ... تنبيك كيف تصرف العصران

يا قتل هارون اجتثثت أصولهم ... وأشبت رأس أميرهم شيبان

لم يغن عنهم بأس قيس إذ غدا ... في جحفل لجب ولا غسان

وعدية البطل الكمي وخزرج ... لم ينصرا بأخيهما عدنان

زفت إلى آل النبوة والهدى ... وتمزقت عن شيعة الشيطان

وقال أيضا:

نقمة أرسلت من الشرق تهوي ... فأناخت على بني طولونا

كيف يرجى صلاح هذي البرايا ... وابن أبى يسوس دنيا ودينا

بأبي خبة ورأي غريب ... كان يمضي شرائع الحكم فينا

ما رأينا من آل طولون إلا ... سادرا في بطالة مرهونا

وقال الحبيشي لأبي علي الحسين بن أحمد الماذرائي:

هنيئا لمصر قد فتحت رتاجها ... وقلدت ما قلدته بتحكم

وما الفتح إلا فتح رأيك لا الذي ... تجمع يوم الجمع من كل معلم

ولات مصر · الصفحة ٧٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ولات مصرص ٧٦