لعمري لقد لاقى هبيرة حتفه ... بأفضل ما تلقى الحتوف السوارع
بأنف حمي لم تخالطه ذلة ... وعرض نقي لم تشنه المطامع
عشية يستكفيه مطلب الذي ... به ضاق ذرعا والمنايا كوارع
فما انفك يحميه ويجعل نفسه ... له جنة حتى احتوته المصارع
فلاقى المنايا فوق أجرد سابح ... وفي الكف مأثور من الهند قاطع
فبينا يخوض الهول من غمراته ... وأعداؤه من حوله قد تجاشعوا
تقطر في أهوية عن جواده ... فصادفه حين من الموت واقع
فلم أر مقتولا أجل مصابه ... على من يعادي والذين يجامع
من ابن حديج يوم أعلن نعيه ... وقام به في الناس راء وسامع
كلا الفيلقين..... ... مقاما على ما كان فيه يماصع
فولوا فلولا قد علتهم كآبة ... وكلهم بادي التلهف جازع
وطلب المطلب الأمان من السري، على أن يسلم إليه الأمر ويخرج عن مصر. ففعل ذلك السري، وسلم إليه المطلب. وخرج المطلب في بحر القلزم إلى مكة. قال دعبل للمطلب:
فكيف رأيت سيوف الجريش ... ووقعة مولى بني ضبة
أحجتك أسيافهم كارها ... وما لك في الحج من رغبة
فكانت ولاية المطلب هذه الثانية عليها سنة وثمانية أشهر.
BIO_MAN$ السري بن الحكم
ثم وليها السري بن الحكم بإجماع الجند عليه، على صلاتها وخراجها، لمستهل شهر رمضان سنة مئتين. فجعل على شرطه محمد بن عسامة بن عمرو. ووثب عمر بن ملال على أبي بكر بن جنادة بن عيسى المعافري، خليفة مطلب بالإسكندرية. فأخرجه منها، ودعا للجروي بها، والجروي والسري متسالمان. وأقبل الأندلسيون إلى ابن ملال. فكان بلغه عنهم بعض الفساد. فأمر عمر بإخراجهم من الإسكندرية وإلحاقهم بمراكبهم، فضطغنوا ذلك عليه. وظهرت بالإسكندرية طائفة يسمون الصوفية، يأمرون بالمعروف - فيما زعموا - ويعاضون السلطان في أمره. فترأس عليهم رجل منهم يقال له " أبو عبد الرحمن الصوفي " . فصاروا مع الأندلسيين يدا واحدة. واعتضدوا بلخم - وكانت لخم أعز من في ناحية الإسكندرية. فخوصم أبو عبد الرحمن الصوفي إلى عمر بن ملال في امرأة، فقضى على أبي عبد الرحمن. فوجد في نفسه من ذلك، وخرج إلى الأندلسيين، وألف بينهم وبين لخم. ورجا أهل لخم أن يدركوا ثأرا من عمر بن ملال. فساروا إلى عمر، وهم زهاء عشرة آلاف من لخم، ومن الأندلسيين، ومن ضوى إليهم، فحصروه في قصره. فعلم عمر أن القصر لا يمنعه منهم، وخاف أن يدخل عليه عنوة، فيفضح في حرمه. فاغتسل وتحنط وتكفن، وأمر أهله أن يدلوه إليهم. فدلي فأخذته السيوف فقتل. ثم دلي إليهم أخوه محمد بن عبد الملك بن محمد بن عبد الرحمن بن معاوية بن حديج، فقتل. ثم دلي عليهم عبد الله البطال بن عبد الواحد ابن محمد بن عبد الرحمن بن معاوية بن حديج، فقتل. ثم دلي إليهم أخوه أبو هبيرة الحارث بن عبد الواحد فقتل. ثم دلي إليهم حديج بن عبد الواحد فقتل. وانصرف القوم. قال سعيد بن عفير:
لا يبعدن ابن ملال فقد ذهبت ... منه المنون بعلم طيب النسم
لا يرأم الضيم من حب الحياة ولا ... يقبل دون فعال الخير بالقسم
ولا يزال له من مجده طرف ... يسند ما حاز عن آبائه القدم
ما انفك يحمي ذمار اسكندرية في ... هدء حميد وعز غير مهتضم
حتى إذا جاءه من كان يأمنه ... وصرح الموت جهرا غير مكتتم
خاض الأسنة والهندي محتسبا ... حتى تجرع كأس الموت من أمم