تخطَّ إلى المحتوى

وكان مقتل عمر بن ملال وأهله في ذي القعدة سنة مئتين.

ثم فسد أمر لخم والأندلسيين عند مقتل عمر بن ملال. وقام بأمر لخم رباح بن قرة، وسار إلى الأندلسيين، فحاربهم. فانهزمت لخم، وظهر الأندلسيون بالإسكندرية عنوة في ذي الحجة سنة مئتين. فولوها أبا عبد الرحمن الصوفي. فبلغ من الفساد بالإسكندرية والقتل والنهب ما لم يسمع بمثله. فعزله الأندلسيون عنها وولوا رجلا منهم يعرف " بالكناني " . ثم حاربت بنو مدلج أهل الأندلس، فظفر بهم الأندلسيون، فنفوهم عن البلاد. ولم يقدر أحد من بني مدلج أن يرجع إلى أرض الإسكندرية إلا بطلبة من السري ابن الحكم إلى أهل الأندلس فيهم، حتى أذنوا لهم فرجعوا.

حدثني عبيد الله بن عمر بن السارح، قال: حدثني عبد الرحمن بن أبي الخطاب قال: حدثني أبي وهانئ بن المتوكل، ومحمد بن خلاد، عن ضمام بن إسماعيل، عن أبي قبيل قال: إني على إسكندرية من أربعين مركبا مسلمين وليسوا بمسلمين، تأتي على آخر الصيف، أخوف مني عليها من الروم. قال ابن أبي الخطاب: وحدثني ابن حيوة قال: لما ذكر ضمام هذه الأربعين مركبا،وطال اعتناؤه بها وذكره إياها، قلت له: يا أبا إسماعيل، ما هذه الأربعون مركبا في هذا الخلق، لو كانت نيرانا تضطرم؟ فقال: اسكت، ويلك! منها وممن يكون فيها يكون خراب سكندرية وما حولها.

وبلغ الجروي ما فعله الأندلسيون وقتلهم ابن ملال. فسار إليهم في خمسين ألفا حتى نزل على حصنها، فحاصرها، ثم أجهدهم وكاد أن يفتتحها. فخشي السري بن الحكم أن يفتحها ويملكها. فبعث عمرو بن وهب الخزاعي إلى تنيس ليخالف الجروي إلى منزله. فبلغ ذلك الجروي، فكر راجعا إلى تنيس، وفسد ما بينه وبين السري. وقال ابن عفير للجروي:

ألا من مبلغ الجروي عني ... مغلغلة يعاتب أو يلوم

أقمت تنازل الأبطال حتى ... تميز ذو الحفيظة والسؤوم

وصلت بهم فما وهنت قواهم ... وطير الموت دائرة تحوم

ولو هجمت جموعك حين حلوا ... عليهم، باد جمعهم المقيم

وكيف رأيت دائرة التواني ... أتتك بصحو نحس لايقيم

أتاك وقد أمنت ونمت كيد ... لصل لا ينام ولا ينيم

وكان مسير عبد العزيز الجروي إلى الإسكندرية وانصرافه عنها في المحرم سنة إحدى ومئتين. ودعا الأندلسيون بها للسري بن الحكم. ثم فسد ما بين السري وآل عبد الجبار بن عبد الرحمن الأزدي - وكانوا وجوه أهل خراسان بمصر - فدنوا من الفساد على السري، وبايعهم الجند على ذلك. وأظهروا كتابا من طاهر بن الحسين، بولايته سليمان بن غالب بن جبريل عليها. فوثبوا إلى السري لمستهل ربيع الأول سنة إحدى ومئتين، فكانت ولايته عليها ستة أشهر.

BIO_MAN$ سليمان بن غالب بن جبريل البجلي

ثم وليها سليمان بن غالب بن جبريل البجلي، على صلاتها وخراجها؛ بايعه الجند يوم الثلاثاء لأربع خلون من شهر ربيع الأول سنة إحدى ومئتين. فجعل على شرطه أبا بكر بن جنادة بن عيسى المعافري. ثم عزله وولى عباس ابن لهيعة بن عيسى الحضرمي.

انتهب الجند منزل السري. فهرب منهم فلجأ إلى دار عسامة بن عمرو. ثم سيره سليمان بن غالب بن جبريل إلى إخميم من صعيد مصر. فكتب السري إلى بني مدلج، فلحقوا به هم وكثير من الناس. وأقبل السري سائرا فيهم إلى الفسطاط. فبلغ ذلك سليمان بن غالب، فبعث إليه بجيش. فالتقوا بقمن فحاربوه. فانهزم السري، وأسر هو وابنه ميمون. فأمر سليمان بردهما إلى إخميم وقيدهما وسجنهما. وكانت هذه الوقعة في جمادى الأولى سنة إحدى ومئتين. قال معلى الطائي:

إذا شن في أرض سليمان غارة ... أثار بها نقعا كثير المصائب

ألم تر مصرا: كيف داوى سقيمها ... على حين دانت للعدو المناصب

حماها ولو لا ما تقلد أصبحت ... حبيبسا على حكم القنا والمقانب

ولات مصر · الصفحة ٤٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.