وأظهر الجند لموسى الكراهة والشنآن. وبعث عمالا على الحوف، فأخرجهم أهل الحوف، وابذوه. وعقدت قيس واليمانية حلفا فيما بينهم، وولوا عليهم معاوية بن مالك بن ضمضم الجذامي ثم الجروي. وكلموا أهل الفسطاط من الجند، وخوفوهم الله، وذكروا لهم ما أتى موسى إليهم. فأعطاهم الجند من أهل مصر العهود والمواثيق: أن ينهزموا عنه إذا خرج إليهم، فلا يقاتلون معه. وتحالفوا هم وأهل الفسطاط على ذلك.
وعقد موسى بن مصعب لعبد الرحمن بن موسى بن علي بن رباح اللخمي، في خمسة آلاف من أهل الديوان. وبعث بهم إلى الصعيد في طلب دحية بن مصعب. وأمره أن ينزل بالشرقية، وكان دحية بها. فلما سار عبد الرحمن، عدى دحية النيل وصار في غربيه، وملك أكثره. وولى دحية على الشرقية يوسف ابن نصير بن معاوية بن يزيد بن عبد الله بن قيس التجيبي. فكان يوسف يغير على عبد الرحمن بن موسى بن علي. فاستخلف عبد الرحمن على جيشه بكار ابن عمرو، أخا عسامة بن عمرو. وسأل أن يعفى، فأعفي.
ومضى موسى بن مصعب في جند مصر كلهم، وفيه وجوه الناس. فساروا حتى نزلوا الغيراء. وأقبل إليهم أهل الحوف يمنها وقيسها. فلما اصطفوا ونشبت بينهم الحرب. انهزم أهل مصر بأجمعهم، وأسلموا موسى ابن مصعب. فبقي في طائفة يسيرة ممن كان قدم بهم فلم يثبت معه أحد من أهل مصر إلا خالد بن يزيد بن إسماعيل التجيبي، وكان صاحب أمره والمستولي عليه. وقتل موسى بن مصعب، قتله مهدي بن زياد المهري ثم أحد الصيعر. وعاد أهل مصر إلى الفسطاط لم يكلم منهم أحد. وبلغ المهدي مقتله فقال: نفيت من العباس أو لأفعلن بمهدي، ولأفعلن بأهل الحوف كذا وكذا. فمات المهدي قبل أن يبلغ فيهم شيئا.
وكان قتل موسى بن مصعب بالغريراء يوم الأحد لتسع خلون من شوال سنة ثمان وستين ومئة. فكانت ولايته عليها عشرة أشهر. قال سعيد بن عفير، يذكر أهل الحوف:
ألم ترهم ألوت بموسى سيوفهم ... وكانت سيوفا لا تدين لمترف
فما برحت فيه تعود وتبتدي ... إلى أن تروى من حمام مدنف
فأصبح من مصر وما كان قد حوى ... بمصر من الدنيا سليبا بنفنف
ولكن أهل الحوف لله فيهم ... ذخائر إن لا ينفد الدهر تعرف
وقتل معه خالد بن يزيد التجيبي، وكان ظالما. قال له عبد الحميد بن كعب ابن علقمة: تحب أن لك مئة ألف دينار وأنت من أهل النار؟ قال: لا. قال: فأنت من أهل النار وليس لك مئة ألف دينار.
وحدثني ابن قديد، عن أبي نصر أحمد بن صالح، عن علي بن سعيد، عن سعيد بن أبي مريم قال: سمعت الليث بن سعد، وموسى بن مصعب يخطب الناس، وكان ظالما غاشما. فمر بهذه الآية: (إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها). فقال الليث، وموسى يخطب: اللهم لا تقه منها.
BIO_MAN$ عسامة بن عمرو المعافري
ثم وليها عسامة بن عمرو باستخلاف موسى بن مصعب إياه. فكتب دحية ابن مصعب إلى يوسف بن نصير بن معاوية التجيبي، يأمره بالمسير في الشرقية إلى الفسطاط. فبعث إليه عسامة بأخيه بكار بن عمرو. فالتقوا ببركوت من الشرقية، فتحاربوا يومهم أجمع. فنادى يوسف بن نصير بكارا: يا ابن أم القاسم، اخرج إلي. فقال: ها أنا ذا، يا ابن وهبة. فقال: قد ترى ما الذي قتل بيننا من الناس، ابرز إلي وأبرز إليك، فأينا قتل صاحبه كان الفتح له. فبرز بكار، فوضع يوسف الرمح في خاصرته، ووضع بكار الرمح في خاصرة يوسف. فقتل يوسف بكارا، وقل بكار يوسف. ورجع الفل من الجيشين جمعاء، وذلك لثلاث بقين من ذي الحجة سنة ثمان وستين ومئة.
وقد كانت ولاية الفضل بن صالح بن علي وردت مصر. فصرف عسامة عنها لثلاث خلت من ذي القعدة سنة ثمان وستين ومئة. وورد كتاب الفضل باستخلاف عسامة عليها، فخلفه إلى سلخ المحرم سنة تسع وستين ومئة.