ثم وليها عمير بن الوليد، باستخلاف أبي إسحاق بن الرشيد على صلاتها. وورد عليه كاب أبي إسحاق بولايته عليها يوم الأحد لتسع عشرة خلت من صفر سنة أربع عشرة. فجعل على شرطه ابنه محمدا، فاستخلف محمد رجلا يدعى السليل بن ربيعة. وفرض عمير الفروض، واستعد لحرب أهل الحوف. وبعث بعبد الله بن حليس الهلالي إلى الحوف، ليصلح أمر قيس ويردهم إلى الطاعة. فمضى إليهم ابن حليس، فأتاهم وحرضهم، فعقدوا له عليهم. وقام بأمر اليمانية عبد السلام بن أبي الماضي الجذامي ثم الجروي. فسار إليهم عمير في جيوشه وفروضه، وتبعه عيسى بن يزيد الجلودي؛ كان خروجه من الفسطاط يوم الثلاثاء لست عشرة من ربيع الأول سنة أربع عشرة ومئتين. واستخلف على الفسطاط ابنه محمدا. وقدم أبو خالد المهلبي من قبل المأمون إلى اليمانية، ومحمد بن ذؤالة القيسي إلى القيسية. فبذلا لهم ما شاؤوا، فلم ينههم ذلك عن الحرب. وزحفوا إلى عمير، وعلى اليمانية عبد السلام بن أبي الماضي، وعلى قيس عبد الله بن حليس الهلالي. فالتقوا بمنية مال الله، فاقتتلوا، فقتل من أهل الحوف جمع كثير، وانهزموا. فتبعهم عمير في نفر من أصحابه. فعطف عليه كمين لأهل الحوف، فقتلوه باليهودية يوم الثلاثاء لثلاث شرة من ربيع الآخر. وكان الذي قتله مبارك الأسود مولى حميد ابن كوثر الحرشي. فكان مقام عمير على إمرتها إلى أن قتل ستين يوما. قال حبيب بن أوس الطائي:
ألا رزئت خراسان فتاها ... غداة ثوى عمير بن الوليد
فيا يوم الثلاثا كم كئيب ... رماه الحزن فيك وكم عميد
فكم سخنت فينا من عيون ... وكم أعثرت فينا من جدود
فما زجرت طيورك عن سنيح ... ولا طلعت نجومك بالسعود
وقال أيضا:
أنعى عمير بن الوليد لغارة ... بكر من الغارات أو لعوان
أنعى فتى الفتيان غير مكذب قولي وأنعى فارس الفرسان وقال سعيد بن عفير:
ساقت عمير إلى مصر منيته ... بإمرة لم يكن فيها بمسعود
حتى أتته المنايا وهو ملتحف ... ثوبين من حبرات البأس والجود
فاذهب حميدا فلا تبعد فكل فتى ... يوما وإن كريت أفعاله يودي
وأقام محمد بن عمير خليفة لأبيه عليها شهرا، ثم أظهر الجلودي كتابا بولايته، فسلم إليه محمد.
BIO_MAN$ عيسى بن يزيد الجلودي
الثانية ثو ليها عيسى بن يزيد، خليفة لأبي إسحاق، على صلاتها. فجعل على شرطه رجلا من أهل خراسان يقال له مطهر. ثم سار عيسى إلى أهل الحوف، فلقيهم بمنية مطر. فكانت بينهم وقعة. ثم انصرف أهل الحوف على حامية. ومضى الجلودي حتى نزل النويرة، فخندق على نفسه وجيشه خندقا، وأقام أياما. فأتاه أهل الحوف فصبحوا به. فهاله أمرهم، فلما أمسى تحمل منهزما إلى الفسطاط، وأحرق ما ثقل عليه من رحله، وخندق على الفسطاط؛ وذلك يوم الثلاثاء لأربع خلون من رجب سنة أربع عشرة. قال حبيب بن أوس الطائي يهجو الجلودي:
الله أرهقك الهزيمة إذ ... جبذتك أحبال الردى جذبا
وأتتك خيل لو صبرت لها ... أنهبن روحك في الوغى نهبا
من حي عدنان وإخوتهم ... قحطان لا ميلا ولا نكبا
أعصمت بالليل البهيم وقد ... ألقى عليك ظلامه حجبا
وتركت جندك للقنا جزرا ... والبيض تخدب هامهم خدبا
فاشكر أيادي ليلة سنحت ... لك بالبقا فركبتها ركبا