تخطَّ إلى المحتوى

فحدثني ابن قديد، عن عبيد الله بن سعيد بن عفير، عن أبيه، عن الليث قال: " لما قدم سعيد بن يزيد واليا على جند مصر، تلقاه عمرو ابن قزحم الخولاني، فقال: يغفر الله لأمير المؤمنين، أما كان فينا مئة شاب كلهم مثلك، يولي علينا أحدهم؟! " .

ولم تزل أهل مصر على الشنآن له والإعراض عنه والتكبر عليه، حتى توفي يزيد بن معاوية سنة أربع وستين، ودعا ابن الزبير إلى نفسه، فقامت الخوارج الذين بمصر في أمره وأظهروا دعوته. وكانوا يحسبونه على مذهبهم. ووفدوا منهم وفدا إليه، وسألوه أن يبعث إليهم بأمير يقومون معه ويؤازرونه. فكان كيب بن أبرهة بن الصباح وغيره من أشراف أهل مصر يقولون: ماذا نرى من العجب، إن هذه طائفة مكتتمة تأمر فينا وتنهى، ونحن لا نستطيع أن نرد أمرهم؟ ولحق بابن الزبير ناس من أهل مصر، منهم أبو عبيدة وعياض ابنا عقبة بن نافع بن عبد قيس الفهري، وأبو بكر بن القاسم بن قيس العذري،وحيان بن الأعين الحضمي، وحجوة بن الأسود الصدفي.

وبعث ابن الزبير إليها بعبد الرحمن بن جحدم الفهرين فقدمها في طائفة من الخوارج. فوثبوا على سعيد بن يزيد فاعتزلهم. فكانت ولاية سعيد عليها سنتين إلا شهرا.

BIO_MAN$ عبد الرحمن بن عتبة

ابن إياس بن الحاث بن عبد أسد بن جحدم بن عمرو ابن عائش بن ضرب بن الحارث بن فهر ثم وليها عبد الرحمن بن عتبة بن جحدم، من قبل عبد الله بن الزبير؛ دخلها في شعبان سنة أربع وستين. فأقر عابس بن سعيد على الشرط والقضاء. وقدم ابن جحدم بجمع كثير من الخوارج الذين كانوا مع ابن الزبير بمكة، من أهل مصر وغيرهم، فيهم حوشب بن يزيد، وأبو الورد حجر بن عمرو، وغيرهم، فأظهروا التحكيم ودعوا إليه. فاستعظم الجند ذلك. وبايعه الناس على غل في قلوب ناس من شيعة بني أمية، منهم كريب بن أبرهة الأصبحي، ومقسم بن بجرة التجيبي، وزياد بن حناطة التجيبي، وعابس بن سعيد، وغيرهم.

ثم بويع مروان بن الحكم بالشام في ذي القعدة سنة أربع وستين. وكانت شيعته من أهل مصر دعوه إليها، وهم في العلانية مع ابن جحدم. وسار مروان إلى مصر ومعه خالد بن يزيد بن معاوية، وعمرو بن سعيد، وعبد الرحمن بن الحكم، وزفر بن الحارث، وحسان بن بحدل، ومالك بن هبيرة السكوني، في أشراف كثير. وبعث ابنه عبد العزيز في جيش إلى أيلة، ورجا أن يدخل مصر من تلك الناحية.

وأجمع ابن الجحام على حربه ومنعه. فأشار عليه الجند بحفر خندق يخندق به على الفسطاط. فأمر بحفره، فحفر في شهر واحد. قال ابن أبي زمزمة الخشني:

وما الجد إلا مثل جد ابن جحدم ... وما العزم إلا عزمه يوم خندق

ثلاثون ألفا هم أثاروا ترابه ... وخدوه في شهر؛ حديث مصدق

وهو الخندق الذي في مقبرة الفسطاط اليوم.

وبعث ابن جحدم بمراكب في البحر، ليخالف إلى عيال أهل الشام، عليها الأكدر بن حمام اللخمي. وقطع بعثا في البر، استعمل عليهم السائب ابن هشام بن كنانة العامري. وبعث بجيش آخر عليهم زهير بن قيس البلوي إلى أيلة، ليمنع عبد العزيز من المسير إليها. فأما جيش السائي بن هشام، فإن روح بن زنباع أخبر مروان أن السائب له ابن مسترضع بفلسطين، فأخذه مروان. فلما التقوا أبرز إليه الصبي فقال: أتعرف هذا يا سائب؟ قال: هذا ابني. قال: نعم، فوالله لئن لم ترجع عودك على بدئك لأرمينك برأسه. فرجع السائب بجيشه ذلك ولم يقاتل. فسمي جيشه جيش الكرارين.

وأما المراكب فنزل عليها عاصف فغرقها، ونجا بعضها، ونجا أميرها الأكدر، وعاد إلى الفسطاط.

وأما زهير بن قيس، فلقي عبد العزيز بن مروان ببصاق، وهي سطح عقبة أيلة. فقاتله فانهزم زهير ومن معه. قال نصيب لعبد العزيز:

منعت بصاقا والبطاح فلم ترم ... بطاحك لما أن حميت ذماركا

قسرت الألى ولوا عن الأمر بعدما ... أرادوا عليه، فاعلمن، اقتساركا

ولات مصر · الصفحة ١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.