وخرج المغيرة إلى الإسكندرية في رمضان، واستخلف عليها أبا الجراح الحرشي على الجند والشرط. ثم هلك أبو مسعدة فجزع عليه أبوه، ثم توفي بعده ثنتي عشرة ليلة، كانت وفاته يوم السبت ثنتي عشرة ليلة خلت من جمادى الأولى سنة اثنتين وثلاثين ومئة. فكانت ولايته عليها عشرة أشهر واستخلف ابنه الوليد بن المغيرة وأجمع الجند على أن يولوا عبد الله بن عبد الرحمن بن حديج الشرط، إلى أن يأتي رأي مروان. ثم صرف الوليد في النصف من جمادى الآخرة.
BIO_MAN$ عبد الملك بن مروان
ابن موسى بن نصير مولى لخم ثم وليها عبد الملك بن مروان النصيري من قبل مروان، وجمع له صلاتها وخراجها. وكان واليا على خراجها قبل أن يولى الصلاة. فجعل أخاه معاوية بن مروان على الشرط. وليها في جمادى الآخرة سنة اثنتين وثلاثين ومئة.
ثم أن معاوية استعفى أخاه من الشرط بعد أشهر. فأعفاه وجعل مكانه عكرمة بن عبد الله بن عمرو بن قحزم الخولاني. وإن عبد الملك أمر باتخاذ الناس المنابر في الكور، ولم تكن قبله وإنما كان ولاة الكور يخطبون على العصي إلى جانب القبلة.
وخرج رجل من القبط يقال له يحنس بسمنود. فبعث إليه عبد الملك بعبد الرحمن بن عتبة المعافري. فقتل يحنس في كثير من أصحابه. وخالف عمرو بن سهيل بن عبد العزيز بن مروان على مروان أمير المؤمنين، وتابعه على ذلك الرماحس بن عبد العزى الكناني في جمع من قيس. فنزلوا الحوف الشرقي وأظهروا الفساد. فبدر عبد الملك بن مروان أهل الديوان إليهم، وجعل على جماعتهم موسى بن المهند بن داود بن نصير. فساروا في سبعة آلاف إلى بلبيس. فلما التقوا دعوا إلى الصلح، على أنهم يخرجون عمرو بن سهيل والرماحس إلى أي أرض شاءا. فأجابهم موسى بن المهند إلى الصلح وانصرفوا. ثم ظفر بعد ذلك بعمرو بن سهيل فحبس بالفسطاط.
قدوم مروان بن محمد إلى مصر وأجمع جند مصر على منع مروان إن هو سار إليهم، وجعلوا على أمرهم ذلك عبيد الله بن عبد الرحمن بن عميرة الحضرمي. فقدم عبيد الله بن مروان على مقدمة أبيه، فدعاهم ابن عميرة إلى النهوض معه، فتثاقلوا عنه، فرفض أمرهم.
وقدم مروان بن محمد مصر يوم الثلاثاء لثمان بقين من شوال سنة اثنتين وثلاثين ومئة. وسود أهل الحوف الشقي، وأول من سود هناك شرحبيل ابن مذيلفة الكلبي الزهيري. ولحق الأسود بن نافع بن أبي عبيدة بن عقبة ابن نافع الفهري بالإسكندرية فسود بها. وسود عبد الأعلى بن سعيد بن عبد الله ابن مسروق الجيشاني بصعيد مصر. وسود يحيى بن مسلم بن الأشج مولى بني زهرة بأسوان. وعزم مروان على تعدية النيل فأمر بدار آل مروان المذهبة فأحرقت. فقال له زبان بن عبد العزيز: إنها دار بني عبد العزيز، وقد أعظمت فيها النفقة. فقال مروان: إن أبق أبنها لبنة من ذهب ولبنة من فضة، وإلا فما تصاب به من نفسك أعظم. ثم دخل مروان إلى الجيزة، وحرق الجسرين. فقال عيسى بن شافع يبكي الدار المذهبة:
يا طللا أقوى وحل البلى ... منه لدى العلو وفي السفل
قد كنت مغنى لعيون المها ... وكنت مأوى لظبي الرمل
وكان أربابك ما إن لهم ... في الناس من نوع ولا شكل
وبعث مروان الكوثر بن الأسود الغنوي، وعثمان بن أبي نسعة الخثعمي، إلى الأسود بن نافع الفهمي. فالتقوا بالكريون في ذي القعدة. فقتل عيسى بن أبي عبيدة بن عقبة بن نافع. ودخل الكوثر الإسكندرية، فقتل عبد الأعلى بن الهجرس مولى مراد، كان على الموالي. وخالفت القبط برشيد. فبعث إليهم عثمان بن أبي نسعة في المصصة فهزمهم. وبعث زبان بن عبد العزيز إلى الصعيد. فأتى عبد الأعلى بن سعيد فقاتله. فهزمه زبان ونجا عبد الأعلى. وجعل مروان معه عمرو بن سهيل بن عبد العزيز مقيدا: فلما قتل مروان هرب عمرو بن سهيل على وجهه.
وقدم صالح بن علي بن عبد الله بن عباس، وأبو عون عبد الملك بن يزيد إلى مصر يوم الثلاثاء للنصف من ذي الحجة. وسار مروان إلى بوصير من كورة الأشمونين، فنزلها ومعه عبد الملك صاحب مصر، فوافى صالح بن علي في جيوشه، وعلى مقدمته عامر بن إسماعيل. واستخلف صالح على الفسطاط محمد ابن معاوية بن بحير بن ريسان، أشار عليه به عياش بن عقبة الحضرمي.