ثم رحل يوم الثلاثاء لعشر بقين من شعبان سنة اثنتين حتى أتى دمشق. فكان بها مقتله ليلة الأحد لليلتين بقيتا من ذي القعدة سنة اثنتين وثمانين؛ يقال أن خدمه قتلوه، وهم طاهر ولؤلؤ وناشي وسابور ومماقط ونظيف. فقتلوا جميعا، وحملت رؤوسهم إلى الفسطاط، فجعلت على الجسر. وحمل خمارويه إلى الفسطاط، فدفن بها. فكانت ولايته عليها اثنتي عشرة سنة وثمانية عشر يوما.
BIO_MAN$ أبو العساكر جيش بن خمارويه
ثم وليها أبو العساكر جيش بن خمارويه، بويع يوم الأحد لليلة بقيت من ذي القعدة سنة اثنتين وثمانين ومئتين بدمشق، وإليه صلاتها وخراجها. فسار إلى مصر فدخلها، وجعل على شرطه موسى بن طونيق.
واشتملت عليه طائفة من الجند، وحملوه على أمور كرهها عظم الجند. فتنكروا له، وتنكر لهم. وخافوا على أنفسهم، فدنوا من الفساد عليه. فخرج متنزها إلى منية الأصبغ، فهرب من عسكره محمد بن إسحاق بن كنداج، وخاقان المفلحي، ومحمد بن كمشجور بندقة، وبدر بن جف ومحمد بن قرا طغان في ثلاث مئة رجل من وجوه قواده. فلحقوا بالمعتضد وكان أحمد بن طغان على الثغر فخلع جيشا. وخلعه طغج بن جف بدمشق. ثم وثب جيش على عمه نصر بن أحمد بن طولون فقتله. فوثب به يرمش وصافي وفائق في أكثر الجيش والموالي، فخلعوه. وبايعوا أخاه هارون بن خمارويه. وجمع له القضاة والفقهاء والقراء، فتبرأ إليهم من بيعته، وحللهم منها وأشهدهم على نفسه بذلك. وكان خلعه يوم الأحد لعشر خلون من جمادى الآخرة سنة ثلاث وثمانين. فكانت ولايته ستة أشهر واثني عشر يوما. ثم سجن فمات بعد أيام.
BIO_MAN$ هارون بن خمارويه
ثم وليها هارون بن خمارويه، يوم خلع جيش، فجعل على شرطه موسى ابن طونيق. وقامت الطائفة من الجند ممن كره ولاية هارون بن خمارويه، وكاتبوا ربيعة بن أحمد بن طولون، وكان بالإسكندرية، ودعوه إلى الولاية، ووعدوه القيام معه. فجمع ربيعة جمعا كثيرا من أهل البحيرة من البربر وغيرهم، وأقبل فيهم حتى نزل منبوبة من كورة وسيم. ثم عدى النيل، فنزل باب المدينة. فخرج إليه نفر من القواد، فسألوه ما الذي حمله على المسير. فأخبرهم أن ناسا من القواد بايعوه. فناوشوه الحرب، وقتلت بينهم قتلى. ثم طعن فرس ربيعة فسقط، فأسروه؛ أسره شفيع البعاموري. فأتى به إلى محمد بن أبى فحبسه. ثم أخرج يوم الثلاثاء لإحدى عشرة خلت من شعبان سنة أربع وثمانين إلى دار الإمارة القديمة بالعسكر، فضرب ألفا ومئتي سوط، ومات.
ثم كانت فتنة ابن قريش، وذلك أنه أنكر أن يكون أحد خيرا من أهل سول الله صلى الله عليه وسلم، فوثب به الرعية، فضرب بالسياط يوم الجمعة في جمادى الأولى سنة خمس وثمانين. فمات بعد يومين.
وتوفي أمير المؤمنين المعتضد في ربيع الآخر سنة تسع وثمانين، وبويع أبو محمد ابنه، ولقب المكتفي بالله. وخرج القرمطي بالشام في سنة تسعين ومئتين، فبعث إليه هارون بالقواد. فحاربوه فهزمهم، وبلغ كل مبلغ. فبعث إليه الجيوش من العراق فحاربوه.
وقتل أبو علاثة محمد بن أحمد بن عياض بن أبي طيبة الجفي، وكان رجلا ذا لسان وعارضة، فكان ممقوتا عند كثير من الناس. فزلت به القدم، فتشاهد عليه أقوام من سفل الناس وأوضاعهم. وبلغ السلطان ذلك منهم، فقبل شهاداتهم فضرب مرارا. وأرادوا بذلك أن يذلوه من ضربهم إياه. وانكشف للناس ظلمهم له وما قصد به فيه، وكان أشد الناس عليه عامة أهل المسجد. كان قتله لست بقين من شهر رمضان سنة إحدى وتسعين ومئتين.
سمعت ابن قديد يقول: أقبح ما أتى أهل هذا المسجد شهاداتهم على ابن الفطاس حتى باعوه، وعلى أبي علاثة حتى قتلوه. وقال إسماعيل ابن أبي هاشم:
فيا با علاثة لهفي علي ... ك للهف صب كئيب وجل
فلا نام ظلمك بل لا هدا ... وحاشى لظلمك أن يضمحل
ويا أهل مسجدنا ما لكم ... توانيتم عنه حتى قتل
هوى بابن حرملة ما هوى ... وحسب ابن حرملة ما عمل
وويل لبعروط ويل له ... فما زال بعروط حتى وحل