وقال سعيد بن عفير عن أشياخه: لما حاز المسلمون الحصن بما فيه، أجمع عمرو على المسير إلى الإسكندرية. فسار إليها في ربيع الأول سنة عشرين. وأمر بفسطاطه أن يقوض، فإذا بيمامة قد باضت في أعلاه، فقال: " لقد تحرمت بجوارنا. أقروا الفسطاط حتى تنقف وتطير فراخها " . فأقروا الفسطاط، ووكل به أن لا يهاج حتى تستقل فراخها، فلذلك سميت الفسطاط فسطاطا. وحاصر عمرو الإسكندرية ثلاثة أشهر، ثم فتحها عنوة، وهو الفتح الأول. ويقال: بل فتحها مستهل سنة إحدى وعشرين. ثم سار عمرو إلى أنطابلس - وهي برقة - فافتتحها بصلح في آخر سنة إحدى وعشرين. ثم مضى منها إلى أطرابلس، فافتتحها عنوة سنة اثنتين وعشرين. وقال الليث بن سعد في تاريخه: فتحها سنة ثلاث وعشرين.
قال: وقدم عمرو بن العاص على عمر بن الخطاب قدمتين. قال ابن عفير: استخلف في إحداهما زكرياء بن جهم العبدري، وفي القدمة الثانية ابنه عبد الله بن عمرو.
وتوفي أمير المؤمنين عمر في ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين، وبايع المسلمون أمير المؤمنين عثمان بن عفان، رضي الله عنه. فوفد عليه عمرو بن العاص. فسأله عزل عبد الله بن سعد بن أبي سرح العامري عن صعيد مصر، وكان عمر ولاه الصعيد قبل موته. فامتنع عثمان من ذلك، وعقد لعبد الله بن سعد ابن أبي سرح على مصر كلها. فكانت ولاية عمرو على مصر صلاتها وخراجها، منذ افتتحها إلى أن صرف عنها، أربع سنين وأشهرا. فكان على شرطه في ولايته هذه كلها خارجة بن حذافة بن غانم بن عامر بن عبد الله بن عبيد بن عويج بن عدي بن كعب، في قول الأشياخ؛ إلا أن سعيد بن عفير قال: دخل عمرو مصر، وعلى شرطته زكرياء بن جهم بن قيس بن عبد بن شرحبيل ابن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار. قال: ثم عزله وجعل مكانه خارجة ابن حذافة.
BIO_MAN$ ولاية عبد الله بن سعد
ابن ابي سرح الحسام بن حبيب بن جذيمة بن نصر ابن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي بن غالب، وأمه مهانة بنت جابر من الأشعريين ثم وليها عبد الله بن سعد من قبل أمير المؤمنين عثمان.
حدثنا الحسن بن محمد المديني قال: حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، عن بن سعد: أن عثمان لما ولي أمر هذه الأمة، وعمرو بن العاص على مصر كلها إلا الصعيد، فإن عمر بن الخطاب ولى الصعيد عبد الله بن سعد. فطمع عمرو لما رأى من لين عثمان أن يعزل له عبد الله بن سعد عن الصعيد. فوفد إليه وكلمه في ذلك. فقال عثمان: ولاه عمر بن الخطاب الصعيد، وليس بينه وبينه حرمة ولا خاصة، وقد علمت أنه أخي من الرضاعة، فكيف أعزله عما ولاه غيري؟! فغضب عمرو وقال: لست راجعا إلا على ذلك. فكتب عثمان بن عفان إلى عبد الله بن سعد يؤمره على مصر كلها. فجاءه الكتاب بالفيوم. فجعل لأهل أطواب جعلا على أن يصبحوا به بالفسطاط في مركبه، وكان الذي جعل لهم كما يزعم آل عبد الله بن سعد خمسة دنانير.
قال الليث: فقدموا به الفسطاط قبل الصبح، فأرسل إلى المؤذن، فأقام الصلاة حين طلع الفجر، وعبد الله بن عمرو ينتظر المؤذن يدعوه إلى الصلاة، لأنه خليفة أبيه. فاستنكر الإقامة فقيل له: صلى عبد الله بن سعد بالناس. وآل عبد الله يزعمون أن عبد الله بن سعد أقبل من غربي المسجد بين يديه شمعة، وأقبل عبد الله بن عمرو من نحو داره بين يديه شمعة، فالتقت الشمعتان عند القبلة. قال الليث في حديثه: فأقبل عبد الله بن عمرو حتى وقف على عبد الله ابن سعد، فقال: هذا بغيك ودسك! فقال عبد الله بن سعد: ما فعلت، وقد كنت أنت وأبوك تحسداني على الصعيد، فتعال حتى أوليك الصعيد، وأولي أباك أسفل الأرض، ولا أحسدكما عليه.
وجاءت الروم، عليهم منويل الخصي، في المراكب حتى أرسوا بالإسكندرية. فأجابهم من بها من الروم، ولم يكن المقوقس تحرك ولا نكث. فلما نزلت الروم الإسكندرية سأل أهل مصر عثمان أن يرد عمرو بن العاص لمحاربة منويل، ومعرفته بحربهم، وطول ممارسته له. فرده واليا على الإسكندرية فحارب الروم بها حتى افتتحها، وعبد الله بن سعد مقيم بالفسطاط على ولايته، حتى فتحت الإسكندرية الفتح الثاني عنوة سنة خمس وعشرين.