ثم وليها عباد بن محمد، من قبل المأمون، على صلاتها وخراجها، لثمان خلون من رجب سنة ست وتسعين ومئة. فجعل على شرطه هبيرة بن هاشم ابن حديج. وبلغ محمدا ما فعله المصريون من خلعه وإخراج عامله جابر بن الأشعث، فكتب محمد إلى ربيعة بن قيس بن الزبير الجرشي، وكان رئيس قيس بالحوف، بولايته على مصر. وكتب إلى عبد الصمد بن مسلم بن عمارة الجرشي، وإلى يزيد بن الخطاب الكبي، وإلى عثمان بن مستنير الجذامي، يأمرهم بمعاونة ربيعة بن قيس، وإنقاذ أهل الحوف كلهم معه يمنها وقيسها. وأظهروا دعوة محمد، وخلعان المأمون، وساروا إلى الفسطاط لمحاربة أهلها. فخندق عباد على الفسطاط. وخرج أهل الفسطاط من مسيرهم. وعقد عباد لإبراهيم بن حوي بن معاذ العذري، على بنا، وسنهور، وسندفا.
فخشي يزيد بن الخطاب على ماله هناك، فسار إلى ابراهيم بن حوي.فالتقوا بدمروا، فقتل إبراهيم بن حوي. قال سعيد بن عفير ليزيد بن الخطاب بن طلاب الكلبي:
قتلوا ابن سيدهم وفارس حزبهم ... عن غير نائرة ولا إجرام
أضحت قضاعة قد علتها كأبة ... وبنو الجريش سوافر الإظلام
فلئن قضاعة لم تطالب ثأره ... بكتيبة خشناء ذات عرام
ما في قضاعة بعدها ما يرتجى ... للنائبات وما هم بكرام
وسار ربيعة بن قيس إلى الفسطاط، فنزل على الخندق سلخ ربيع الآخر سنة سبع وتسعين ومئة. فتناوشوا شيئا من حرب. وكانت بينهم قتلى ثم انصرفوا. ةأقبل عثمان بن بلادة القيسي، من قبل بيعة، إلى الخندق في جمادى الأولى سنة سبع وسعين فتحاربوا. ثم انهزم ابن بلادة يومئذ من عباد. ثم أقبل عثمان بن بلادة إلى الخندق في شوال سنة سبع وتسعين. فاقتتلوا أياما، وعلى أهل الفسطاط أبو الكرم بن حوي بن حوي، فقتل أبو الكرم. ثم رأى عباد أن يبعث إليهم بجيش، فيحاربهم في ديارهم. فعقد لعبد العزيز الجروي، فالتقى معهم بعمريط، في ذي القعدة سنة سبع وتسعين. فانهزم الجروي ومضى في قومه من لخم وجذام إلى فاقوس. فعذله قومه وقالوا: لم لا تدعو لنفسك؟ فما أنت بدون هؤلاء الذين غلبوا على الأرض. فمضى فيهم إلى بلبيس فنزلها ثم بعث عماله يجبون الخراج من أسفل الأرض. فبعث إليه بيعة بن قيس بعثمان بن بلادة يمنعه من الجباية.
وسار أهل الحوف أيضا في المحرم سنة ثمان وتسعين ومئة إلى الخندق. فعقد عباد للسري بن الحكم على حربهم. فاقتلوا وقتل جمع من الفريقين، وقتل فيهم محمد بن حري. فانكشف أهل الحوف، وبلغهم مقتل محمد الأمين وبيعة المأمون فتفرقوا.
وكان مقتل محمد في المحرم سنة ثمان وتسعين ومئة. وصرف عباد عنها في صفر سنة ثمان، فكانت ولايته عليها سنة وسبعة أشهر.
BIO_MAN$ المطلب بن عبد الله الخزاعي
ثم وليها المطلب بن عبد الله الخزاعي، من قبل المأمون، على صلاتها وخراجها؛ دخلها من مكة للنصف من ربيع الأول سنة ثمان وتسعين. فأقر هبيرة بن هاشم بن حديج على شرطه، ثم عزله فولى محمد بن عسامة بن عمرو المعافري، ثم عزله وولى عبد العزيز بن الوزير الجروي، ثم عزله وولى إبراهيم بن عبد السلام بن إبراهيم بن الهيثم الخزاعي، ثم عزله فولى هبيرة بن هاشم بن حديج.
وقد كان السري بن الحكم تلقاه فأغراه بأهل مصر، وخبره بتسريعهم إلى أهل خراسان، وخوفه من إبراهيم بن نافع الطائي، وكان مباعدا للسري. فطلب المطلب إبراهيم الطائي، فلم يظهر له، فجد في طلبه. واتهم زرعة ابن قحزم، وهبيرة بن هاشم، وجنادة بن عيسى، وجزي بن عمرو بن سهيل بن عبد العزيز بن مروان، فسجنهم ليظهروه عليه. ثم ظهر له أنه عند هبيرة بن هاشم، فعرضه على السيف أو يأتيه بالطائي. فامتنع هبيرة من إظهاره. فلما كن المطلب عن الطائي، أخرجه هبيرة إلى الصعيد، فأفلت. قال سعيد بن عفير:
لعمري لقد أوفى وفاق وفاؤه ... هبيرة في الطائي وفاء السموأل
وقاه المنايا إذ أتاه بنفسه ... وقد برقت في عارض متهلل
فما انفك محبوسا ومطلب له ... عليه قصيف بالوعيد المهول