قال: واستفسد سليمان بن غالب أهل خراسان، وقدم عليهم أتباعه وبطانته. ففسدوا عليه وتنكروا له. وهم سليمان بالفتك فيهم، ليقوي أمره. فألب عباد بن محمد عليه فخلعه، وقام بالأمر علي بن حمزة بن جعفر بن سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس، وذلك لمستهل شعبان سنة إحدى ومئتين. وسأل الجند عبادا أن يبايع، فامتنع ولحق بالجروي. وقال لهم عباد: ذا الرسول قادم عليكم بولاية السري. فانطاعوا إلى ذلك. ولحق سليمان بن غالب بالجروي فكان معه. فكانت ولايته خمسة أشهر.
BIO_MAN$ السري بن الحكم
الثانية ثم وليها السري بن الحكم، الثانية، من قبل المأمون، على صلاتها وخراجها. قدم بولايته عمر أخو هرثمة، فبعث الجند إلى إخميم، فاستخرجوا السري من الحبس. فدخل الفسطاط يوم الأربعاء لثنتي عشرة خلت من شعبان سنة إحدى ومئتين. فسلم إليه جميع الجند الولاية. فجعل على شرطه محمد بن عسامة أياما. ثم عزله وولى الحارث بن زرعة بن قحزم أياما. ثم عزله فولى ابنه ميمون ابن السري. ثم عزله وولى أبا بكر بن جنادة بن عيسى المعافري. ثم عزله فولى أبا صالح حماد بن المخارق التميمي. ثم عزله فولى أخاه إسماعيل ابن الحكم. ثم عزله فولى أخاه صالح بن الحكم. ثم عزله فولى أخاه داود.
وتتبع السري كل من كان حاربه أو انتهبه، فجعل يقتلهم ويصلبهم. فعز وانتظم سلطانه وقوي أمره. ثم ورد عليه كتاب المأمون يأمره بالبيعة لولي عهده علي بن موسى بن جعفر بن علي بن أبي طالب، رضوان الله عليهم، العلوي، وسماه الرضا. ورد الكتاب بذلك في المحرم سنة اثنتين، فبويع له بمصر. وقام في فساد ذلك إبراهيم بن المهدي ببغداد.
فأخبرني أحمد بن يوسف بن إبراهيم، عن أبيه: أن إبراهيم بن المهدي قال:
فلا جزيت بنو العباس خيرا ... على رغمي ولا اغتبطت بري
أتوني مهطعين وقد أتاهم ... بوار الدهر بالخبر الجلي
وحل عصائب الأملاك منها ... وشدت في رؤوس بني علي
فضجت أن تشد على رؤوس ... تطالبها بميراث النبي
وكتب إبراهيم بن المهدي إلى وجوه الجند بمصر، يأمرهم بخلع المأمون وولي عهده، وبالوثوب بالسري. فقام في ذلك الحارث بن زرعة بن قحزم بالفسطاط، وعبد العزيز بن الوزير الجروي بأسفل الأرض، وسلمة بن عبد الملك الأزدي الطحاوي بالصعيد، وسليمان بن غالب بن جبريل وهو إذ ذاك مع الجروي، وعبد العزيز بن عبد الرحمن بن عبد الجبار الأزدي. فخالفوا السري، ودعوا لإبراهيم بن المهدي، وعقدوا على ذلك الأمر لعبد العزيز بن عبد الرحمن الأزدي، وأجمعوا على ولايته. فحاربه السري، فظفر السري بعبد العزيز الأزدي، وبجمع من أهل بيته. فقتل بعضهم، وبعث ببعضهم مع ابنه عبد الصمد فقتلهم هناك. وذلك في صفر سنة اثنتين ومئتين. ولحق كل من كره بيعة علي بن موسى بالجروي لمنعته وشدة سلطانه.
ثم أقبل عبيد بن السري إلى الفسطاط، فعارضه سلامة الطحاوي بطحا. واقتتلوا فانهزم سلامة. وأسره عبيد، فبعث به إلى الفسطاط، فأطلقه السري. فهرب سلامة إلى الجروي.
وسار الجروي إلى الإسكندرية مسيره الثاني. فحصر الأندلسيين بها، ثم اصطلحوا على فتح حصنها. فدخلها سلمة الطحاوي، وعلي بن عبد العزيز الجروي، ودعوا للجروي بها. ومضى سلمة منها إلى الصعيد في جمع كثير من الجند. فأخرج عمال السري، ودعا إلى الجروي.
وسار الجروي في جموعه لمحاربة السري. واستعد كل واحد منهما لصاحبه بأعظم ما قدر عليه. فيعث السري ابنه ميمونا على تلك الجيوش. فنزل ميمون بشطنوف، وسار معه مراكبه في البحر، قد شحنها بالرجال والسلاح. وأتاه عبد العزيز الجروي في البر والبحر. فالتقوا بشطنوف، فقتل ميمون بن السري، انهزم عسكره. وذلك في جمادى الآخرة سنة ثلاث ومئتين. قال أبو بجاد الحارثي، من بني الحارث بن كعب:
جمع رعاعك يا سري فإنها ... حرب تحس سعيرها قحطان
قتلوا أبا حسن وجروا شلوه ... كالكلب جر بشلوه الصبيان
ولت تجيب وأسلمته جيادها ... عيلان يوم تواكلت عيلان