وبعث الأفشين عبد الله بن يزيد إلى الغربية، فانهزم إلى الإسكندرية، واستجاشت عليه بنو مدلج فحصروه في حصن الإسكندرية، وذلك في شوال سنة ست عشرة. ومضى الأفشين إلى شرقيون، فلقي من هناك بمحلة أبي الهيثم، فاقتتلوا. فظفر بهم الأفشين، وقتل احبهم أبا ثور اللخمي. ومضى الأفشين أيضا إلى دميرة، فحاربهم في ذي القعدة سنة ست عشرة، فظفر بهم. وخرج عيسى بن منصور من الفسطاط إلى نمي، فقاتل أهلها، فانهزم أهل نمي. وأقبل الأفشين في جنوده إلى الإسكندرية، فلقيه طائفة من بني مدلج بخربتا، فهزمهم. وأتوه أيضا بمحلة الخلفاء، فهزمهم وأسر أكثرهم، فنزل بهم قرطسا، فضرب أعناقهم بها. وأتى الإسكندرية فدخلها. وهرب منه رؤساؤهم، وهم بحر بن علي اللخمي، وابن عقاب اللخمي، وكان رئيس جماعتهم معاوية بن عبد الواحد بن محمد بن عبد الرحمن بن معاوية بن حديج. وكان دخول الأفشين للإسكندرية لعشر بقين من ذي الحجة سنة ست عشرة. ومضى الأفشين بعد فتح الإسكندرية إلى أهل البشرود، فكان موافقا لهم وقد امتنعوا حتى قدم المأمون.
قدوم أمير المؤمنين المأمون الفسطاط
قدم لعشر خلون من المحرم سنة سبع عشرة ومئتين، فسخط على عيسى ابن منصور، وأمر بحل لوائه بلباس البياض، قال: لم يكن هذا الحدث العظيم إلا عن فعلك وفعل عمالك، حملتم الناس ما لا يطيقون، وكتمتوني الخبر حتى تفاقم المر واضطرب البلد. وضم أصحابه إلى ابن عمه موسى بن إبراهيم. وولى المأمون على شرط الفسطاط أحمد بن بسطام الأزدي من أهل بخارا. وركب أمير المؤمنين، فنظر إلى المقياس، وأمر بإقامة جسر آخر فعمل له هذا الجسر القائم بالفسطاط اليوم، وترك القديم. وعقد لأبي مغيث موسى بن إبراهيم على جيش بعثه إلى الصعيد، في طلب ابن عبيدس الفهري، ومعه رشيد التركي. فظفروا بالفهري بطحا. وارتحل المأمون إلى سخا، سلخ المحرم سنة سبع عشرة. ثم صار إلى البشرود، والأفشين قد أوقع القبط بها، فنزلوا على حكم أمير المؤمنين. فحكم بقتل الرجال وبيع النساء والأطفال. فبيعوا وسبي أكثرهم. وأتي بالفهري إلى سخا فقتله، وتتبع كل من يومأ إليه بخلاف فقتله، فقتل ناسا كثيرا.
ورجع إلى الفسطاط يوم السبت لست عشرة من صفر سنة سبع عشرة. ومضى إلى حلوان فنظر إليها، وأقام بها ثلاثا. ورجع إلى الفسطاط، فخرج على مقدمته أشناس. وارتحل المأمون يوم الخميس ثماني عشرة من صفر. فكان مقامه بالفسطاط وسخا وحلوان تسعة وأربعين يوما.
BIO_MAN$ كيدر نصر بن عبد الله
ثم وليها كيدر واسمه نصر، من قبل المأمون، على صلاتها. فجعل على شرطه إسبنديار. ثم بعث المأمون برجل من العجم، يقال له ابن بسطام، فولاه الشرط. فعزله كيدر لرشوة ارتشاها، وأمر بضربه بالسوط في صحن المسجد الجامع، وولى رجلا بخاريا يقال له ذاوه، ثم عزله وولى ابنه مظفر بن كيدر باستخلاف مظفر ذاوه على الشرط. وورد كتاب أبي إسحاق بن الرشيد على كيدر بأخذ الناس بالمحنة، ورد الكتاب في جمادى الآخرة سنة ثماني عشرة ومئتين، والقاضي بمصر هارون بن عبد الله الزهري. فأخذه كيدر بذلك فأجاب، وأخذ الشهود به فأجابوا. فمن وقف منهم سقطت شهادته. وأخذ بها الفقهاء والمحدثين والمؤذنين. فكان الناس على ذلك من سنة ثماني عشرة إلى أن قام المتوكل سنة اثنتين وثلاثين ومئتين.
وتوفي المأمون بأرض الروم لسبع خلون من رجب سنة ثماني عشرة ومئتين، وبايع الناس أبا إسحاق المعتصم. فورد كتابه إلى كيدر ببيعته، وأمره بإسقاط من في الديوان من العرب، وقطع أعطياتهم. ففعل ذلك كيدر.
حدثني ابن قديد قال: حدثني علي بن أحمد بن سليمان قال: حدثني سعيد الهمذاني عن طلق بن السمح قال: حدثنا نافع بن يزيد قال: قطع مروان بن محمد العطاء سنة، ثم كتب إليهم كتابا يعتذر إليهم، فيه " إني إنما حبست عنكم العطاء في السنة الماضية، لعدو حضرني، فاحتجت فيه إلى المال، وقد وجهت إليكم بعطاء السنة الماضية وعطاء هذه السنة. فكلوا هنيئا مريئا، وأعوذ بالله أن أكون أنا الذي يجري الله قطع العطاء على يديه " .
ولما قطع العطاء، خرج يحيى بن الوزير الجروي في جمع من لخم وجذام، قال: هذا الأمر لا نقوم في أفضل منه، لأنه منعنا حقنا وفيئنا. واستمع إليه نحو من خمس مئة رجل. ومات كيدر في ربيع الآخر سنة تسع عشرة ومئتين.