وأقبل أبو العباس أحمد بن أبي أحمد الموفق من بغداد. وانضم إليه إسحاق ابن كنداج ومحمد بن ديوداد أبي الساج، حتى اتوا الرقة. فسلم أهل قنسرين والعواصم، ودعوا له. وسار إلى شيزر، فلقيه بها أصحاب دادويه، فقاتلوه قتالا شديدا. فهزمهم أبو العباس. ثم أتى حتى دخل دمشق، فأقام بها أياما. وبلغ الخبر خمارويه، فخرج إلى الشام في جيش عظيم؛ كان خروجه يوم الخميس لعشر خلون من صفر سنة إحدى وسبعين ومئتين. فالتقيا هو وأبو العباس بن أبي أحمد الموفق بنهر أبي فطرس من أرض فلسطين، ويقال له اليوم الطواحين، فاقتتلوا، فانهزم أصحاب خمارويه، وكان في سبعين ألفا، وكان أبو العباس في نحو أربعة آلاف، واحتوى أبو العباس على عسكر خمارويه بما فيه. ومضى خمارويه على وجهه إلى الفسطاط لا يلوي على شيء. وأقبل كمين خمارويه عليهم سعد الأيسر، وفيهم أحمد بن إسماعيل العجمي، وتشركين، وحوطامش، ولم يعلموا بهزيمة خمارويه، حتى أشرفوا على العسكر. فأقبلوا إلى أبي العباس فحاربوه حتى أزالوه عن العسكر، وهزموه اثني عشر ميلا، وذلك في صفر سنة إحدى وسبعين ومئتين.
ورجع أبو العباس إلى دمشق فلم تفتح له. وقدم خمارويه إلى الفسطاط يوم الجمعة لثلاث خلون من ربيع الأول سنة إحدى وسبعين.
ومضى سعد الأيسر مع الواسطي فدخلا دمشق وملكاها، ودعوا فيها لخمارويه. ثم خرج خمارويه من الفسطاط لسبع بقين من شهر رمضان من سنة إحدى وسبعين، حتى أتى فلسطين. ثم عاد إلى الفسطاط، فدخلها لاثنتي عشرة بقين من شوال سنة إحدى وسبعين. فصرف السري بنسهل عن الشرط، يوم الاثنين لخمس خلون من جمادى الأولى سنة اثنين وسبعين، وجعل مكانه موسى بن طونيق. وخرج خمارويه إلى الشام في ذي القعدة سنة اثنين وسبعين ومئتين. فقتل سعدا الأيسر في شيء ظهر منه من خلاف. ومضى خمارويه فدخل دمشق يوم الثلاثاء سابع المحرم سنة ثلاث وسبعين. ومضى من دمشق فلقي إسحاق بن كنداج بموضع يقال له باجروان ودائمان من أرض الرافقة. فكانت على خمارويه وأصحابه، فانهزم أصحابه. وثبت هو في طائفة من حماته، فهزموا إسحاق بن كنداج. فمضى إسحاق منهزما، واتبعه خمارويه حتى بلغ أوائل أصحابه إلى سر من رأى. قال القاسم بن يحيى المريمي:
أتانا أبو الجيش الأمير بيمنه ... فشرد عنا الجور وافتقر العسر
فإن تك أرض الرقتين به اكتست ... ضياء وإشراقا لقد أظلمت مصر
فسائل به إسحاق إذ سار نحوه ... بجيش كعرض النيل يقدمه النصر
تباعدت الأقطار منه كشافة ... ففي مشرق قطر وفي مشرق قطر
فأبلس إذ قيل الأمير ببالس ... وأضحى ضعيف العقد إذ عقد الجسر
ولما رأى الجيش ابن كنداج مقبلا ... أرته المنايا الحمر أعلامه الحمر
فولى شريدا ذا ارتياع كأنه ... بكل بلاد طائر ما له وكر
لئن سر إسحاق النجاة بنفسه ... لقد ساءه في جمعه القتل والأسر
فلا يغبطن بالعيش من بعد هذه ... فقد كسرته كسرة ما لها جبر
ثم سفر قوم من وجوه الجند بين إسحاق وبين خمارويه، فصطلحا وتصاهرا. وأتى إسحاق إلى خمارويه، فأقام في عسكره، ودعا له في أعماله التي بيده.
وكاتب خمارويه أبا أحمد الموفق، فسأله الصلح على مال يبذله عما في يده. فأجابه أبو أحمد إلى ذلك، وكتب له بذلك كتابا، فقدم به فائق الخادم إلى الفسطاط في رجب سنة ثلاث وسبعين؛ يذكر فيه أن المعتمد وأبا أحمد وأبا العباس كتبوه بأيديهم، بولاية خمارويه وولده ثلاثين سنة على مصر والشامات. ثم قدم خمارويه إلى الفسطاط، سلخ رجب سنة ثلاث وسبعين ومئتين. فأمر بالدعاء لأبي أحمد الموفق، وترك الدعاء عليه.
وجعل خمارويه على المظالم بمصر محمد بن عبدة بن حرب في شعبان سنة أربع وسبعين، ثم صرف موسى بن طونيق عن الشرط، لمستهل المحرم سنة أربع وسبعين، وجعل مكانه أحمد بن محمد بن الحكم العجيفي.