تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وخرج أحمد أيضا إلى سكندرية خرجته الثانية، يوم السبت لثمان بقين من شعبان سنة تسع وخمسين. فاستخلف عليها ابنه العباس بن أحمد. فصرف طخشي عن الشرط، وجعل مكانه محمد بن هرثمة. وقدم أحمد إلى الفسطاط يوم الخميس لثمان خلون من شوال سنة تسع وخمسين.

وأمر أحمد ببنيان المسجد على الجبل في صفر سنة تسع وخمسين. وأمر أيضا ببنيان المارستان للمرضى فبنى لهم في سنة تسع وخمسين. وقال محمد بن داود:

ألا أيها الأغفال إيها تأملوا ... وهل يوقظ الأذهان غير التأمل

ألم تعلموا أن ابن طولون نقمة ... تسير من سفل إليكم ومن عل

ولولا جنايات الذنوب لما علت ... عليكم يد العلج السخيف المجهل

يعالج مرضاكم ويرمي حريمكم ... بفيش قوي القلب أدهم أغرل

فيا ليت مارستانه نيط باسته ... وما فيه من علج عتل مفلل

فكم ضجة للناس من خلف ستره ... تضج إلى قلب عن الله مغفل

وورد كتاب المعتمد إلى أحمد بن طولون يستحثه في حمل الأموال. فكتب إليه: لست أطيق ذلك والخراج بيد غيري. فأنفذ المعتمد نفيسا الخادم إلى أحمد بن طولون، بتقليده الخراج بمصر، وبولايته على الثغور الشامية.

فأقر أحمد بن طولون أبا أيوب أحمد بن محمد بن شجاع على الخراج خليفة له عليه.

وضج أهل الثغور من ولاتهم. فبعث أحمد بن طولون إلى أخيه موسى، وهو مقيم بطرسوس، بتقليدها؛ فامتنع موسى من ولايتها. وكتب أحمد إلى إبراهيم بن عبد الوهاب بولايتها، فامتنع. فعقد أحمد عليها لطخشي بن بلبرد. فخرج إليها في جمادى الأولى سنة أربع وستين ومئتين. وجعل مكانه على الشرط الحسن بن غالب الطرسوسي.

وتقدم أبو أحمد الموفق إلى موسى بن بغا في صرف أحمد بن طولون عن مصر، وتقليدها ماجور التركي. فكتب موسى بذلك إلى ماجور وهو والي دمشق يوئذ، فتوقف لعجزه عن مقاتلة أحمد بن طولون. فخرج موسى ابن بغا فنزل الرقة. وبلغ ابن طولون أنه سائر إليه، وأنه مجد في محاربته. فأخذ أحمد بن طولون في الحذر منه، وابتدأ في بنيان حصن الجزيرة التي بين الجسرين، ورأى أن يجعله معقلا لماله وحرمه، وذلك في سنة ثلاث وستين.

واجتهد أحمد بن طولون في بنيان المراكب الحربية، وإطافتها بالجزيرة. وأظهر الامتناع من موسى بن بغا بكل ما قدر عليه. وأقام موسى بن بغا بالرقة عشرة أشهر، وأحمد في إحكام أموره. فاضطرب أصحاب موسى عليه، وضاق بهم منزلهم، وطالبوا موسى بالمسير أو الرجوع إلى العراق. فبينا هو في ذلك، توفي موسى بن بغا في صفر سنة أربع وستين. قال محمد بن داود لأحمد بن طولون:

لما ثوى ابن بغا بالرقتين ملا ... ساقيه زرقا إلى الكعبين والعقب

بنى الجزيرة حصنا يستجن به ... بالعسف والضرب والصناع في تعب

له مراكب فوق النيل راكدة ... فما سوى القار للنظار والخشب

يرى عليها لباس الذل مذ بنيت ... بالشط ممنوعة من عزة الطلب

فما بناها لغزو الروم محتسبا ... لكن بناها غداة الروع للهرب

ثم توفي ماجور بدمشق، واستخلف ابنه عليا. فحرك ذلك أحمد بن طولون على المسير. فكتب إلى علي يخبره بأنه سائر إليه، وأمره بإقامة الأنزال والميرة لعساكره. فرد عليه علي بن ماجور أحسن جواب.

ثم صرف أحمد الحسن بن غالب الطرسوسي عن شرطه، يوم الأربعاء لثمان خلون من رجب سنة أربع وستين، وجعل مكانه إبراهيم بن بلبرد أخا طخشي.

وشكا أهل مصر إلى احمد ضيق المسجد الجامع يوم الجمعة بجندة وسودانه. فأمر بابتناء المسجد الجامع بجبل يشكر؛ ابتدأ في بنائه سنة أربع، وقضي في ست وستين ومئتين.

ولات مصر · الصفحة ٦٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ولات مصرص ٦٦