تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فإن ادعوا العلم الضروري، سقطت محادثتهم، وانعكست عليهم دعواهم. وإن زعموا أنهم أدركوه نظرا، طولبوا به.

ولو سلكنا محض التحقيق، لا كتفينا بهذا ولكنا نزيد عليه للعلم المخالفين لون بهذا الكلام الجهلة من العوام. فنقول لهم: ألستم زعمتم أن القديم مقابل للعرش، محاذ له، ثم أنكرتم أن يكون مثل العرض أو أكبر منه أو أصغر؟ والذي ذكرتموه أبعد، فإن كل عاقل يعلم أن من ضرورة المتحيز المقابل للشيء أن يكون غير خارج عن الأقسام الثلاثة، فإن لم يبعد مقابل لمقدر، وهو ليس بمقدر، فلئن لا يبعد موجود لا جهة له أصلا، أولى وأحلى.

ثم نقول: سبيل التوصل إلى درك المعلومات: الأدلة دون الأوهام، والذي يحقق ذلك أن الواحد منا لو أراد أن يصور الأرض برحبها برها وبجرها في نفسه، لما تمثل إلا قدراً مستنزراً، ومبلغا مستحقراً، وكذلك لو لم يخلق الله لأحد من البشر بصراً، ثم راموا بعقولهم أن يصوروا في نفوسهم على ما علموه، إذا خلق لهم، لما وجوداً لذلك سبيلا.

وكذلك لو أراد العاقل تقدير جوهر فرداً لا ينقسم ولا يتجزأ، وقد أحاط به جوهران، فالذي لاقاه أحدهما هو الذي لاقاه الثاني، وإن الجوهر المتوسط لا تعده الملاقاة. فلو أراد أن يصور هذا الذي علمناه دليلا في أوهامنا، لما وجدنا إليه سبيلا في مستقر العادة. وكذلك لو فكر الحي في نفسه، وأحاط علما بأجسامه، ثم أراد أن يصور حياته في نفسه، تمثلت له الحياة شكلا متشكلا. وهذا يجده كل عاقل من نفسه، فإذا زلت الأوهام عن كثير من المخلوقات، فكيف السبيل إلى أن ندرك بها الرب الذي لا يشبه شيئا، ولا يشبه شيء!

وسبيل التحصيل في ذلك أن من وصف الإله، يقدسه عن التصور في الأوهام،

الشامل في أصول الدين · الصفحة ٤٣٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الشامل في أصول الدينص ٤٣٢