تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فإما قولهم: القيام بالنفس، والتحيز. فهم منازعون فيه، مطالبون بإيضاحه بالدليل، ولا يجدون إلى ذلك دليل سبيلا.

فلو قالوا: فما الموجب للقيام بالنفس؟

قلنا: هو من الأوصاف التي لا تعلل، والصفات تنقسم: فمنها ما يعلل، ومنها ما يمتنع تعليلها، والرجوع في إثبات الامتناع والتعليل إلى قضية الأدلة. وسنعقد في ذلك بابا إن شاء الله.

والقيام بالنفس: هو الاستغناء عن المحل، وليس من شرط ثبوت هذا الوصف، التحيز. وكذلك ليس الموجب لافتقار المعنى إلى ما يقوم به عدم تحيزه. فقد وضح مصير خصومنا إلى الدعوى في جميع أطراف الدليل.

فإن قالوا: لو كان القديم غير متحيز، لوجب أن يوجد بحيث وجوده متحيز. وهذه دعوى أيضاً، وذلك لأن القديم لا اختصاص له بجهة من الجهات، وحيز من الأحياز. وباطل أن يقال في وجوده حيث، فإن هذه اللفظة من ظروف المكان، ولا تضاف إلا إلى وجود يصح تحيزه. فقد رجع محصول الكلام إلى أن القديم تعالي عن الاختصاص بجهة، وكل جوهر يقدر، فهو مختص بجهة، وكيف يستقيم أن يقال: ما يختص بجهة لا محالة، يوجد بحيث وجود ما لا جهة له!!

والذي يقرب المقصود في ذلك: أنا لو جوزنا وجود عرض لا في محل، قائما بنفسه، لاستحل أن يقال: يوجد بحيث وجوده متحيز. والمعتزلة لم أثبتوا إرادة لا في محل، لم يتصور عندهم حلول جوهر بحيث الإرادة، وهذا متبين لا خفاء به.

ومما تمسكوا به أيضاً أن قالوا: من رجع إلى نفسه وأنصف، علم أن الموجود الذي يستحيل تخصصه بجهة، ويستحيل ربط المعرفة بجهته، غير معقول. وكل من رام معرفة شيء، سبق عقله إلى تقلب جهته، وهذا من الفن الأول. وسبيل المفاتحة فيه أن نقول: أتلمون ما ذكر تموه ضرورة أم نظراً؟

الشامل في أصول الدين · الصفحة ٤٣١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الشامل في أصول الدينص ٤٣١