علوي. فعند ذلك يفترق المذهبان، فإن من صرف الثقل إلى نفس الجوهر، لم يصفه بالحفة إلا تجزوا. وإذا قال: جسم أخف من جسم، عني بذلك قلة الأجزاء في أحدهما وكثرتها في الآخر. ومن زعم أن الثقل راجع إلى الاعتماد، يصف الجوهر الواحد بالثقل تارة وبالخفة أخرى. ومن صار إلى أن الثقل معنى زائد على الاعتمادات، فيثبت الخفة عرضاً مضادة للثقل. فهذه جملة مذهبنا في الثقل ومعناه.
فأما من قال: الثقل راجع إلى نفس الجوهر، وتفاضل الأجسام في الثقل والخفة آيل إلى كثرة الأجزاء وقلتها، فقد استدل على ذلك بأن قال: إذا نظرنا إلى رمانة القباني وإلى ما يماثل حجمها من الخشب، واستيقنا تعاظمهما في الثقل، فنعلم أن أجزاء الرمانة أكثر وأشد اكتنازاً وانضماماً من أجزاء الخشبة. فآل صرف الثقل إلى أنفس الأجزاء.
ومن صار إلى أن الثقل معنى زائداً، استدل بأن قال: إذا ملانا إناء ماء وضبطنا مبلغ وزنه، ثم فرغناه منه، وملأناه من الزئبق، فيصادف الزئبق أرزن وأثقل من الماء بأضعاف مضاعفة، والأجزاء لا تتفاضل كثرة ولا قلة. والذي يوضح ذلك أن الإناء إذا كان مفعما بالماء مترعاً به، وأجزاء الماء تتضام في مستقر العادة ولا تتجافي، فإنها ل تجافت لتخللت فرجها أجزاء الهواء، والماء والهواء يشتد تنافرهما في مجرى العادة. والذي يوضح ذلك أنك لو عكست قصعة على وجه الماء وتحاملت عليها حتى انغست وانغمرت في الماء، ثم لو تعكست بعد الانضغاطان بسرعة أجزاء الهواء التي كانت في القصعة إلى رق الماء وقلعه والانسلال منه تصعداً، فلو كان في أجزاء الماء فرج وخلل وهواء، لانبث هواء القصعة في طبقات الماء من غير السلال منه. فإذا ثبت أن أجزاء الماء على أقصى ما تقدر من الانضمام، فلا يتصور مع ذلك تفاضل في القلة والكثرة، فلزم صرف الثقل إلى معنى.
ومن تسك بالمذهب الأول انفصل عن ذلك بأن قال: لسنا ننكر تجافياً في