ثم قال: وقد تختلف أحوال المدرك بأمور ترجع إلى الأشعة المنبعثة من حاسته وإن لم يختلف المدرك في نفسه. والذي يحقق ذلك عندهم أن من سدد شعاعه في جهة نظره، فيصح له الإراك. فلو عرج الشعاع وميله إلى مؤهر إماقه، فيخيل إليه الشيء شيئين، والمدرك لم يختلف في صفته. والذي قاله يلزم الجبائي على مقتضي أصله.
فإن قالق قائل: ما حقيقة أصلكم في إدراك الحركة والسكون؟
قلنا: إن السؤال عن تجزير إدراكهما فلا منع فيه عندنا، فكل موجود جاز إدراكه. وإن كان السؤال عن تعلق الإدراك بالحركة والسكون على التحقيق والوقوع والوجود، فقد اختلف جواب القاضي في ذلك. وأوضح أجوبته أن الحركة مرئية وكذلك السكون. ثم وجه على نفسه سؤال أبي هاشم ولم يكترث به، إذ يجوز على قضية أصلنا أن يدرك المدرك شيئين، ولا يدرك الاختلاف بينهما. والأمر في ذلك يطول تتبعه، وسنذكره في الإدراكات مستوعباً مستقصي إن شاء الله.
ومما اختلفا فيه: أن الحركة والسكون في العدم، هل يتصفان بصفة الحركة وسمة السكون؟ فالذي صار إليه الجبائي إطلاق القول بذلك طرداً لقياسه في تجنيس جملة الأعراض في العدم. ومنع أبو هاشم ذلك وقال: الحركة كون في مكان بعد الكون في غيره، وليس يتحقق ذلك إلا مع قيام الكون بمحله. ثم إذا تقرر ذلك في الحركة، أطرد في السكون من حيث كانت الحركة سكونا.
وجملة أصل أبي هاشم أن كل عرض يتناقض توهم قدمه، لا تثبت له حقيقة صفته في عدمه. وكل عرض لا يتناقض فيه توهم القدم فتثبت صفته في العدم. وبيان ذلك: أن الجركة يستحيل تقدير قدمها، إذ من ضرورتها وقوعها على عقب متقدم، وهذا ينافض القدم لا محالة. وليس كذلك السواد، فإنه ليس في توهم قدمه ما يناقض صفة من صفاته.