فالإنسان حاجته للثمن في الدرجة الأولى ليشتري به الطعام والشراب ، الحاجة الأولى هي الطعام والشراب ـ الجنس تأتي بعدها ـ ليشتري به طعاماً ، هذا الطعام الذي اشتراه به، الذي دفع ثمنه ، هذا المكسب الذي جاءه من كتمان العلم ، قال : هذا الطعام كأنه نارٌ تحرقه ، فهو في الحال طعام أما في المآل نار .
لو أن إنساناً غشَّ المسلمين ببضاعةٍ ، عنده معمل أغذية وغشَّهم في هذه الأغذية ، وغشَّهم بشكلٍ مؤذٍ ، وحقق أرباحاً طائلة ، واشترى مثلاً مزرعة ، ومسبحاً ، وبيتاً جميلاً ، هذا الذي اشتراه هو في الحال مزرعة ، أما في المآل فجهنم ـ كلام دقيق ـ في الحال طعام أكله ، إذا كان لشخص دخل حرام قد يشتري أطيب الطعام ، وقد يسكن أجمل بيت ، وقد يركب أجمل مركبة ، لكن هذا الشيء حالياً طعام ، وبيت ، ومركبة ، أما مآلاً فنارٌ تحرقه ..
هذا والله كلامٌ مخيف ، فقبل أن تقف موقفاً ، قبل أن توافق ، قبل أن ترفض ، قبل أن تداهن ، قبل أن تبتسم ، قبل أن تنافق ، قبل أن تقول كلاماً لست مقتنعًا به إطلاقاً ، عد للمليون ، لأن هذا الموقف سُجِّل عليك ، وأنت محسوبٌ على المؤمنين ..
طبعاً أنزلت هذه الآية في اليهود ، الذين كتموا صفات النبي عليه الصلاة والسلام ، حفاظاً على زعامتهم ومكانتهم ومكاسبهم ، أو بغياً وحسداً منهم للنبي عليه الصلاة والسلام .
ولكن هذه الآية وإن نزلت في هؤلاء الذين كتموا صفات النبي ، لا يمنع أن تكون عامةً شاملةً تشمل كل إنسانٍ سكت عن الحق إرضاءً لجهة ما ، وقد حقق من هذا السكوت مكاسب كبيرة ، هذه المكاسب بكل أنواعها إنما هي نارٌ سوف تحرقه .
فأحياناً إنسان يكون كالمنديل ، تُمسَح به أقذر عملية ثم يلقى في المهملات ، أنت لله ، أنت أخطر من ذلك ، فهؤلاء الذين ..
أيها الإخوة ... ربُنا عز وجل يقول :الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلا اللَّهَ
( سورة الأحزاب : من آية " 39 " )