تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لا أنسى هذا الموقف الذي وقفه إنسان غربي أسلم بعمق ، حين التقى بعالمٍ من علماء دمشق ، وطرح موضوع لحم الخنزير ، وهذا العالم أفَاض ، وأفاضَ ، وشرح وأطال وأطنب في مضار لحم الخنزير ، فابتسم هذا الإنسان الغربي المسلم وقال : كان يكفيك يا أستاذ أن تقول لي إن الله حرمه . يكفي، كلام الله ، إلهٌ عظيم هو العلم ، والخبرة ، والرحمة ، والحكمة ، هو الخالق ، يقول لك : لا تفعل هذا . انتهى الأمر .

ليس للأمكنة قداسةٌ بذاتها ، إلا أن يأمرك الله أن تشد الرحال إليها، أمرنا النبي عليه الصلاة والسلام وهو لا ينطق عن الهوى ، إن هو إلا وحيٌ يوحى ، أن نشُدَّ الرحال إلى مكة المكرمة وإلى بيت المقدس، وإلى المدينة المنورة :" لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلا إِلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَسْجِدِ الأَقْصَى "*

( من صحيح البخاري : عن " أبي هريرة " )

ونرجو الله سبحانه وتعالى أن يتاح لنا في القريب العاجل أن نزور المسجد الأقصى . لذلك لا يوجد مكان مقدس في ذاته أمرنا الله عز وجل أن نشُد الرحال إليه ، فالتقديس هو لأمر الله ، أمر الله هو المقدس ، قال الله عز وجل : دعوا مكة لأن قريشاً يقولون إنها بيتنا وليست بيت الله ، إنه بيتنا وبيت آبائنا وأجدادنا . وفيها ما لا يحصى من الأصنام ، لذلك قال الله عزَّ وجل : دعوا مكة المكرمة واتجهوا إلى بيت المقدس .

ولعل في هذا الاتجاه الجديد حكمةً بالغة ذلك أن الإسلام هو خاتم الأديان ، أو خاتم الشرائع إن صح التعبير ، وأن هذا الدين يستوعب كل الشرائع السابقة ، فلذلك نحن نقدس بيت الله الحرام ، ونقدس بيت المقدس الذي هو مهبط الرسالات السماوية ، ومسرى نبينا عليه الصلاة والسلام .

تفسير محمد راتب النابلسي · الصفحة ٨٥١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير محمد راتب النابلسيص ٨٥١