تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ليس هناك مكان مقدَّس لذاته ـ هذه نقطة مهمة جداً ـ ليس هناك مكان مقدس لذاته إلا أن يقدَّسه الله عز وجل ، فالله عز وجل أمر الإنسان وهو سيِّد المخلوقات أن يقبِّل الحجر الأسود ، والتسلسل كما تعلمون ؛ جماد، نبات ، حيوان ، إنسان . أمر الله أشرف مخلوق أن يقبل أقل مخلوقٍ رتبةً ، وفي منسكٍ آخر أمره أن يرجم حجراً في الجمرات التي هي رمزٌ لإبليس ، لا يوجد مكان مقدس ، الله عز وجل يقدس الشيء ، أو يهدر كرامة الشيء ، ولذلك سواء توجَّه المسلمون إلى بيت المقدس ، أم إلى مكة المكرمة ، هم يتوجَّهون إلى الله عز وجل ، وليس هناك مكان مقدس في ذاته .

يهديه الله عز وجل إلى طريقٍ مختصر ، المستقيم هو أقصر طريق بين نقطتين ، يهدي من يشاء مرضاة الله عز وجل ، من يشاء رحمة الله ، من يشاء محبة الله ، من يشاء الفوز بالجنة، والنجاة من النار .

أيها الإخوة ... لو أن الله عز وجل قال : تحوَّلوا عن مكة المكرمة للعلة الفلانية ، وتوجهوا إلى بيت المقدس للعلة الفلانية ، هذا الأمر فقد قيمته التعبُّدية ، حينما أعطيك أمراً لمصلحتك الواضحة الصارخة أقول لك : افعل كذا من أجل كذا . أنت تقبل على تنفيذ هذا الأمر ، لا حباً بالآمر ، ولكن حباً بذاتك ، فقد الأمر قيمته المعنوية ، وقيمته التعبُّدية . يقول لك أحدهم : أنا أصلي لأنني قرأت مقالة أن الصلاة فيها رياضة . ليس له أجر فيها ، ولا قيمة لهذه الصلاة إطلاقاً ، أو أن يقول : أنا أصوم لأنني شعرت أن الصيام أريح لجسمي ، أحس براحة ، أحس بخفة ، وأجد أمعائي تحسنت ، ونشاطي ازداد ، فأنا أصوم والحمد لله . هذا ليس صيام تعبُّد ، هذا صيام رجيم ، هذا صيام مصلحة .

لو أن الأمر الإلهي جاء معللاً لفقد قيمته التعبُّدية ، توجَّهوا إلى بيت المقدس للعلة الفلانية، توجهوا إلى مكة المكرمة للعلة الفلانية ، إلهٌ عظيم يحب أن يرى انصياعنا لأمره ، لذلك قال علماء الأصول : علة كل أمرٍ أنه أمر .

تفسير محمد راتب النابلسي · الصفحة ٨٥٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير محمد راتب النابلسيص ٨٥٠