تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فلو أحصينا عمرنا بهذه الطريقة اختلف الأمر ، فالآن قضينا أربعين، فكم بقي يا ترى ؟ على المستوى المتوسِّط بالستين ، فمعترك المنايا بين الستين والسبعين ، فإنسان يموت وعمره خمس وخمسون ، أو أربع وأربعون ، أو تسع وثلاثون ، أما الأغلبيَّة فبين الستين والسبعين ، فإذا مضى من عمر أحدنا أربعون سنة ، كم بقي له على المتوسط ؟ نصف ما مضى ، وصل إلى الخمسين فبقي عشر ، ووصل إلى الخامسة والخمسين بقي خمس ، وبعد هذا ينتظر الصباح والمساء ، فإذا نام لا يستيقظ ، وإذا استيقظ لا ينام ، يخرج من بيته كل يوم قائماً ، ومرَّة واحدة أفقياً ، وكلَّما خرج عاد إلا مرَّة واحدة يخرج ولا يعود ، والموت مصير كل حيّ ، فلذلك :

مضت ونحن سنمضي ، وبعد مائة عام في الأعم الأغلب لن يكون واحد منا في هذا المجلس على قيد الحياة ، بل كلنا تحت الأرض بلا استثناء ، وهؤلاء الذين في القبور كانوا أشخاصاً ، ولهم هموم ، ولهم مشكلات ، وعندهم أعمال ، وعندهم إنجازات ، وسكنوا في بيوت جميلة، وأكلوا طعاماً طيب ، وتزوَّجوا النساء أين هم الآن ؟ أحياناً تجد جمجمة مثلاً بمتحف ، أو بمخبر علمي طبيعي ، فمن صاحب هذه الجمجمة ؟ ماذا كان يعمل ؟ لا نعرف ، يوجد في أمريكا حفرة مثل الجب فيها كتلة تساوي خمسة طن كلها جماجم ، وكان هناك اعتقاد واهم أن فيها كنوزاً فمئات وآلاف الأشخاص ألقوا بأنفسهم ليخرجوا الكنز ، فماتوا ولم يجدوه وجماجمهم تشهد عليهم ، وهذا هو الإنسان ..

وهذه المقابر حول دمشق ، هذا مات بالثمانين ، وبالتسعين ، وبالسادسة والثمانين ، وبالخامسة والثمانين ، وبالخامسة والتسعين ، هذا عميد أسرته ، وهذا الشاب ، وهذا الطبيب ، وهذا المهندس، فهذه المقبرة فيها كل الناس ، وكل إنسان له عمله ، فالبطولة لا أن تبحث في عمل الآخرين ـ دقِّق في هذا الكلام ـ البطولة أن تبحث في عملك أنت ، لأن عملك أنت هو الذي تُسأل عنه بالضبط ..

تفسير محمد راتب النابلسي · الصفحة ٨٢٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير محمد راتب النابلسيص ٨٢٢