تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والموت يأتي فجأةً ؛ فقد يأتي وأنت في سفر ، وقد يأتي وأنت في الحضر ، أو في الليل ، أو في النهار ، أو قبل العُرس ، وإنسان ـ مهندس ـ يشرف على بناء ، وكان عرسه مساءً ، مدَّ رأسه من النافذة أثناء عمله، فسقطت قطعة حجر على رأسه فقتلته فوراً ، وقد وزِّعت الحلويات التي اشتريت بأرقام فلكيّة على المعزِّين مساءً ، وصُمدت زوجته بثياب العرس ـ تعزية النساء ـ فمن يصدِّق قبل العرس أنه سيموت ؟ إنسان بعد أن نال الدكتوراه بأيام جاءه ملك الموت ، فالموت يأتي فجأةً والقبر صندوق العمل، وهناك قصص كثيرة جداً .

كان أحد إخواننا يشيد بناء ، وبعد أن انتهى كل شيء في البناء لم يبق إلا جهاز كهربائي ، فرُكِّب الجهاز وجاء الأثاث ، وفي صبيحة اليوم التالي كان من المفترض أن يأتي صاحب البيت ، فوافته المنيَّة مساءً ولم يسكن البيت . فقد لا تسكن البيت ، وقد لا تستفيد من الشهادة ، أو نسافر ولا نعود ، أو نعود ولا نسافر مرة ثانية ، فالموت يأتي فجأةً والقبر صندوق العمل ، هذا معنى قول الله عزَّ وجل :

في آية أخرى :يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ(102)

( سورة آل عمران )

وقد ذكر العلماء : أن من السُنَّة أن يكتب الإنسان وصيَّة يُصَدِّرها بنصح أولاده من بعده ..

وهذا هو التوحيد ، وما تعلَّمت العبيد أفضل من التوحيد ، إنها كلمة قالها الأبناء ، ولكن هذه الكلمة مُحَصِّلة توجيهات مديدة وطويلة ومتعدِّدة ، فالأب الذي يكون وراء أولاده ومعهم دائماً ؛ ينصحهم، ويعلِّمهم ، هذا والله شهدته مرَّةً ، إذ هناك أولاد متميزون في تدَيُّنهم ، وسبب هذا التميز في التديُّن أن آباءهم كانوا حريصين حرصاً لا حدود له على تربيتهم ، وعلى توجيههم ، فالله عزَّ وجل يلحق عمل الأبناء بالآباء ..

تفسير محمد راتب النابلسي · الصفحة ٨١٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير محمد راتب النابلسيص ٨١٨