تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبما أن الموت ليس بيدك ولا تقدر على ردِّه ، وقد أخفى الله عنك ساعة الموت ، فيجب أن تكون دائم الاستعداد له فتصوَّر إنساناً يعرف وقت موته ، فهو لا يتوب إلا قبل موته بساعة ، أو بخمسة أيام ، ولكن لا أحد يعرف متى الموت . أذكر أن شخصاً ذكر لي همومه المعاشيَّة ، وذكر لي أنه سيسافر إلى بلد إعارة في التدريس ، وسيقيم هناك خمس سنوات ، ولن يأتي إلى هذا البلد ، وسيتَّجه كل صيف إلى مكان ؛ صيف إلى بريطانيا ، وصيف إلى إيطاليا ، وصيف إلى فرنسا ، وصيف إلى أسبانيا وسيعود ، ثم يتقاعد من عمله الوظيفي ، ثم يفتح محلاً تجارياً يبيع فيه التُحَف، وبعد أن يكبر أولاده ، سيجعل من هذا المكان مكاناً للندوات واللقاءات بينه وبين أصدقائه ، ومازال يتكلَّم عن مشاريعه المستقبليَّة ساعةً بأكملها . وكأنني أذكر الذي تكلَّمه يزيد عن عشرين عاماً .

خرجت من عنده وعدت إلى بيتي ، وفي المساء نزلت إلى السوق لأشتري بعض الحاجات ، وأنا في طريق العودة إلى البيت رأيت نعوته على الجدران في اليوم نفسه ، فلا أحد يعلم متى يموت .

شابٌ مثقَّفٌ يحمل شهادة عُليا ، يسهر مع أصدقائه كل سبت ، فقال لهم مداعباً : أنا سأعيش طويلاً . فسألوه : لماذا ؟ قال : أنا وزني خفيف، ولا أدخِّن ، وأمشي ، وأكلي معتدل ، ولا أحمَّل نفسي الهموم . وهذا كله كلام صحيح وعلمي ، فهذه أسباب طول العمر ، والاجتماع كل سبت ، فما جاء السبت القادم إلا وهو تحت الثرى ، لا أحد يعرف متى الموت ، فقد يكون بعد ساعة .

تفسير محمد راتب النابلسي · الصفحة ٨١٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير محمد راتب النابلسيص ٨١٦