لكن هذا الحسد من عند أنفسهم ، ما الحسد ؟ هذه جبلَّةٌ في الإنسان، هل هي مذمومةٌ دائماً ؟ لا ، فهي جبلَّةٌ حياديَّة ، خصيصةٌ حياديَّة ، الإنسان مجبول على أن يتمنَّى ما عند الآخرين دون أن يزول عنهم ، أي أنه يغار، يتمنَّى ما عند الآخرين هذه جبلَّة ، هي في الأصل حياديَّة ، إن وُظِّفت في الحق سميت الغِبْطَة . أنت كإنسان ترى إنساناً أعلم منك في الدين تتمنَّى أن تكون مثله ، ترى إنساناً حافظاً لكتاب الله تتمنَّى أن تكون مثله ، ترى إنساناً أجرى الله على يديه الخيرات تتمنَّى أن تكون مثله ، هذه جبلَّة جُبِلَ عليها الإنسان ، حينما صرفها للخير ارتقى بها إلى أعلى عليين ، فإذا تَمَنَّيت أن تكون من أهل الدنيا هذا حسد ، إن صُبَّت هذه الخصيصة على الدنيا كانت الحسد ، وإن صُبَّتْ على الآخرة كانت الغبطة . جبلَّةٌ حياديَّة لا ُتمدح ولا تذم ، تُوظَّف في الخير أو في الشر ، أي أن تتمنى ما عند الآخرين ، أما الحسد وهو الجانب السلبي ، الجانب المنهي عنه حينما ترى إنساناً غنياً تتمنى أن يزول المال عنه ..
وتتمنَّى بعد ذلك أن يتحوَّل المال إليك ، هذه أقل سوءاً ، وقد تفعل بيدك ما تصرف ماله إليك ، هذه صارت جريمة ، حينما تتمنى أن تزول النعمة عن أخيك هذا حسد ، بصرف النظر عن تحوِّلها إليك أو عدم تحوُّلها إليك ، وحينما تفعل بنفسك ما يزيل النعمة عن أخيك فهذه جريمة ، أما حينما تتمنى أن تكون عالماً كعلم أخيك ، حافظاً كحفظ أخيك ، لك عملٌ طيبٌ كعمل أخيك هذه غِبْطَة ، من هنا قال عليه الصلاة والسلام :" لا حَسَدَ إِلا فِي اثْنَتَيْنِ رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ "*
( من سنن الترمذي : عن " سالِم عن أبيه " )